لو عرفنا حق المعرفة ما يعنيه المال العام لعرفنا أي جريمة يرتكبها أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بنهب هذا المال العام أو التفريط في حمايته وحفظه والتأكد من صرفه في الأوجه التي ينبغي أن يصرف فيها.

المال العام هو ذلك المال الذي يتشارك كل المواطنين في امتلاكه، هو المال المخصص لبناء مستشفيات لمرضاهم ومدارس لأبنائهم وطرقات عليها يقودون مركباتهم ومطارات منها يغادرون وإليها يعودون، ذلك هو المال العام الذي إن تعدى عليه متعدٍ فمعناه أنه فرط في قيمة علاج لألف مواطن وعطل إنشاء مدرسة لألف طالب وأفشل إنشاء طريق تسير عليه ألف مركبة، وإذا كان من يسرق بيتا يسرق مال مواطن واحد ومن يسرق بنكا يسرق أموال مائة ألف مواطن فإن من يسرق المال العام يسرق أموال 22 مليونا من المواطنين.

ذلك هو المال العام ولذلك فإن من يتعدى عليه يجرم في حق المواطنين جميعا مما يجعل من كل مواطن خصما له ويجعل من الاقتصاص منه حقا لكل مواطن.

من خلال ذلك كله يمكن لنا أن نفهم سر الفرح العارم الذي شعر به المواطنون جميعا في الحملة التي شنتها المملكة ضد كل مشتبه بالفساد، حملة تؤكد على أن النظام فوق الجميع والوطن مقدم على الأشخاص المشتبه بهم مهما كانت مكانتهم وأيا كان مكانهم، الفرح العارم الذي عبر عنه المواطنون في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي إنما هو فرح من شعروا أن تلك الحملة إنما هي حملة لاسترداد حقوقهم المنهوبة من تلك الأيدي التي استغلت مكانتها أو وجاهتها لتعبث بحقوق المواطنين وتستحل لنفسها نهب المال العام، الفرح العارم إنما هو فرح بولادة جديدة للمملكة تتهيأ فيها لمكانة لا مكان فيها للفاسدين.