ربما كان جيلنا الذي عاقر الكتابة الصحفية، وبتأثير ثقافة مرحلته ومستجداتها، ينظر إلى الجيل الأقدم على أنه متشبث بالماضي، أو في أحسن الافتراضات الحاضر الذي يعيش فيه، وعلى أنه جيل فوق النقد والمساءلة أو حتى الحوار والنقاش. بعض رموز تلك المرحلة هم الذين ولدوا هذا الاعتقاد أو هذه القناعة لدينا عندما كنا نشعر أن واجبنا لا يجب أن يتعدى الإنصات والامتثال لآرائهم وقناعاتهم، واتباعها بلا زيادة أو نقصان، وإلا نكون تلامذة متمردين لا نحسن غير العقوق للأساتذة.

لكن «عبدالله أبو السمح» كان مختلفاً عن شبه السائد آنذاك. كان بذاته غير تقليدي في أفكاره، يحب إثارة المياه الراكدة وتحريك الساكن، كان في بعض الأحيان صادماً في ما يطرحه، لكنه لا يتراجع ولا يتخلى عن فكرته أمام قسوة النقد التي تصل أحياناً حد الجور والتجريح. بدأتُ الكتابة في «عكاظ» شاباً تنقصه الخبرة لكن لا ينقصه احترام من هو أكبر منه سناً وخبرةً، وعندما تجادلنا أنا وهو ذات مرة حول أمر ما، كان كبيراً وهو يناقشني، وكريماً وهو يخاطبني بالـ«زميل» رغم أنه كان كاتباً ملء السمع والبصر وأنا ما زلت أحبو في بلاط الحرف.

غاب عن عموده العتيق المثير في «عكاظ»، وعندما كنت أقابله في ثلوثية الصديق الكبير محمد سعيد طيب عندما تسعفه صحته بحضورها، كنت أمازحه بحب وتقدير وإجلال وصدق، أسأله متى ستعود يا أستاذنا، لكنه يرمقني بنظرة خاطفة وعميقة أفهم معناها، ثم يعقبها بواحدة من قفشاته الخاصة، ويمضي في تأمله العميق وحديثه النادر.

الآن، يغيب عبد الله أبو السمح، الذي سنفقده ككاتب مختلف، وإنسان مختلف، وبغيابه تسقط حبة أخرى من عقد الجيل الذي تعلمنا منه وتتلمذنا على حروفه. وبغيابه هو بالذات سنفقد الدهشة والمفاجأة، بل الصدمة في الكتابة. سنفقد الذي كان يسبق الوقت بأفكاره ويجادل حولها بأناقة، بلا تشنج أو مكابرة أو فوقية غير قابلة للحوار.

رحمك الله يا أستاذنا «عبدالله أبو السمح»، وسامحنا على تقصيرنا تجاه قامتك في ثمالة عمرك.