حين يسمع الناس كلمة التطرف، أول ما يتبادر إلى أذهانهم، صورة المتشددين دينيا، الذين يتطرفون في تحريم كثير من الأشياء، حتى تلك التي لا يوجد نص شرعي بتحريمها.

لكن التطرف لا يقتصر على هؤلاء وحدهم، أغلب الناس يقعون في التطرف من حين لآخر، وهو تطرف يظهر في أشكال متنوعة من أشهرها التطرف في العداوة، والتطرف في المحبة، والتطرف في الثناء على الأنصار، والتطرف في ذم الخصوم. وغيرها من الأشكال، لكنه في كل الحالات لا يخرج عن كونه خصلة سيئة تتضمن كثيرا من الشطط البعيد عن الحق.

فالتطرف صورة من صور المبالغة، التي تقود إلى أقصى نقطة يمينا أو شمالا، بعيدا عن نقطة الوسط، التي تمثل مركز الاعتدال الذي هو أقرب إلى الحق.

في بعض الأحيان يحدث التطرف بحسن نية، كما هو الحال في ما نراه من حملات وهاشتاقات تهدف إلى التوعية والتحذير من التحرش أو العنف، لكنها لإبهامها وكثرتها وتكرارها، قد تترك أثرا سيئا، فالمبالغة في التخويف والتحذير، تثير الرعب في نفوس النساء والرجال من بعضهم بعضا، خاصة أنه لا يوجد وصف محدد للسلوك أو الحديث الذي يدخل في نطاق التحرش، وغياب المعايير والحدود الواضحة لما يعد تحرشا قد يتسبب في تشويش الرؤية لدى الرجل والمرأة على السواء، فتظل المرأة في خوف مستمر من الرجل لا ترى فيه سوى خطر يحوم حولها، وربما أضحى بالنسبة لها، مجرد إلقاء التحية تحرشا.

وكذلك حال الرجل، الذي يجد نفسه في موضع المتهم دائما، فيصاب بالارتباك عندما يحتاج إلى التعامل مع المرأة خشية أن يبدر منه شيء يفسر بأنه تحرش.

مثل هذه الحال النفسية متى تقمصت كلا من المرأة والرجل، أعاقت التعاون بينهما وأثرت على جودة الأداء، فوجود بيئة عمل يسود فيها الشعور بالأمن وحسن الظن والتعاون، هو شرط أساسي لتحقق الجودة.

ومثال آخر على الأثر السلبي للتطرف في التحذير بدون وضع معالم واضحة لما يحذر منه. جاءت إلي قبل أيام شابة في مقتبل العمر، تستشيرني في أمر يزعجها، أخبرتني أنها مخطوبة لرجل تراه مناسبا لها، وأنها بعد عقد قرانهما وتكرر زياراته لهم وحديثه إليها، بدأت تشعر أن قلبها أخذ يميل إليه، لكنها كما قالت لي حرفيا: (لا تريد لقلبها أن يتعلق به)، وحين سألتها مندهشة عن سبب ذلك؟ قالت: أخشى إن أحببته أن أستسلم له فيما لو أخذ يبتزني أو يعنفني ويسيء معاملتي!

هكذا وصلت إلى بعض البنات رسالة التوعية ضد العنف وإساءة المعاملة. وصلت إليهن محرفة مشوهة حتى جعلتهن يبدأن حياتهن الزوجية بقلوب مملوءة بالتوجس، بدلا من أن تكون مملوءة بالحب والرضا.