محمد صبح (جدة)
في مؤتمر موسكو لمنع الانتشار النووي مطلع الأسبوع الماضي، وصف نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي برنامج الصواريخ الذي تطوره بلاده بأنه «ذو طبيعة دفاعية»، وتصريح عراقجي بهذا التوصيف للبرنامج النووي يعد من التصريحات النادرة في نوعها بالنسبة للمسؤولين الإيرانيين، الذين دأبوا طوال السنوات الماضية على التأكيد بأن برنامج الصواريخ الإيراني له طبيعة هجومية قائمة على الردع، ومن ذلك تهديد وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان للسعودية في 7 مايو (آيار) الماضي بأن «بلاده لن تبقي أي مكان آمن في السعودية باستثناء مكة والمدينة إذا تعرضت لأي هجوم من أي طرف»، وكذلك تصريح العميد حسين سلامة نائب قائد الحرس الثوري الذي قال أثناء وجوده في موقع تجارب الصواريخ في كافير عقب اختبار إيران لصاروخ باليستي قادر على حمل رؤوس نووية في 9 مارس (آذار) 2016: «لدينا مخزون كبير من الصواريخ الباليستية، وهي جاهزة لاستهداف الأعداء في أي وقت من مواقع عديدة في البلاد»، ويصب تصريح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري الأربعاء الماضي في نفس الاتجاه، إذ هدد مجدداً باستهداف القوات الأمريكية في المنطقة وزيادة مدى الصواريخ الباليستية لدى طهران إلى أكثر مما هي عليه، إذا اتخذت واشنطن خطوات عملية في تطبيق قانون «كاتسا»، الذي يفرض عقوبات على كيانات وأفراد مرتبطة بالحرس الثوري، وذلك بعد يوم من تجديد وزارة الخزانة الأمريكية للقانون.

ادعاءات التعمية

وفهم السياق الذي أتي فيه تصريح عراقجي، كفيل بإزالة أي لبس يمكن أن يوحي بحدوث تغيير إيجابي في موقف إيران من برنامجها الصاروخي، فعراقجي عمد إلى إعطاء البرنامج الصاروخي هوية دفاعية، في مسعى لتخفيف الضغوط التي توالت على طهران، في أعقاب تحذير الرئيس الأمريكي من خطورة برنامجها الصاروخي خلال إعلانه لإستراتيجيته الجديدة بشأن إيران في 13 أكتوبر (تشرين أول) الماضي، وبناء على ذلك فتصريح عراقجي لا يتضمن أي تطور لافت من جانب إيران في هذه المسألة، وليس أكثر من محض ادعاء يهدف إلى التعمية على حقيقة برنامج الصواريخ الإيراني، والتعمّية نوع من «التقية» السياسية تمارسها إيران لتضليل المجتمع الدولي عن حقيقة مآربها من الأنشطة التي تثير شكوكه داخل منشآتها، وذلك بلا شك مدعاة إلى بحث طبيعة برنامج الصواريخ الباليستية لإيران ومكوناته ومداه وخطورته وموقعه بالنسبة لاستراتيجية إيران العسكرية، ومدى الأولوية التي يمثلها للنظام.

صور

انتهاك الاتفاقات

في توضيح لمدى الأولوية التي يمثلها برنامج الصواريخ الباليستية بالنسبة للنظام الإيراني، رد المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على الأصوات المنتقدة للتجارب التي أجراها الحرس الثوري على الصواريخ في مارس 2016 بعد إبرام الاتفاق النووي، مطالبة بانتهاز الفرصة التي أتاحها الاتفاق في الحوار مع العالم، قائلاً: «إن مستقبل إيران في الصواريخ وليس الحوار»، ويشير ذلك إلى احتلال برنامج الصواريخ لمكانة متقدمة في أولويات النظام الراهنة والمستقبلية.

والخيار نفسه أكد عليه الرئيس الإيراني حسن روحاني في خطاب أمام البرلمان الأحد الماضي، موضحاً أن بلاده ستواصل صنع الصواريخ وستصنع كافة الصواريخ التي تحتاجها، زاعماً أن «تصنيع إيران للصواريخ ليس فيه انتهاك لأية قاعدة دولية»، رغم أن القرار 2231 الذي تبناه مجلس الأمن للتصديق على الاتفاق النووي ينص على «عدم قيام إيران بأي نشاط على صلة بصواريخ باليستية صممت لتكون قادرة على حمل أسلحة نووية بما فيها عمليات الإطلاق التي تستخدم تكنولوجيا صواريخ باليستية لمدة ثمانية أعوام».

ترسانة الشر

وتمتلك إيران ترسانة متنوعة من الصواريخ القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى، ومن الصواريخ القصيرة التي تتوافر معلومات مؤكدة حول تصنيع طهران لمجموعات منها: صاروخ فجر 5 بمدى 75 كيلومترا، وصاروخ زلزال-1 بمدى 150 كيلومترا، وصاروخ زلزال-2 بمدى 200 كيلومتر، وصاروخ فاتح-110 بمدى يراوح بين 200 و300 كيلومتر، وتشمل الصواريخ الباليستية المتوسطة والبعيدة المدى طيفا واسعا من الأنواع منها: مجموعات صواريخ شهاب التي تضم شهاب-1 وشهاب-2 وشهاب-3 وشهاب-4 وشهاب-5 بمدى يراوح بين 350 و5000 كيلومتر، وصاروخ عاشوراء بمدى 2400 كيلومتر، وصاروخ سومار بمدى يراوح بين 2000 و3000 كيلومتر.

وإلى جانب هذه الصواريخ، اشترت إيران وأنتجت مجموعات من الصواريخ التي تسمى بـ«الصواريخ الجوالة»، والتي تمتاز بإمكانية إطلاقها من البر والبحر والجو ومنها: الصاروخ KH-55 الذي حصلت إيران على 12 صاروخاً منه من أوكرانيا عام 2001 بمدى 2500 كيلومتر وله القدرة على حمل رؤوس نووية وتقليدية، وصاروخ SS-N-22 الذي حصلت طهران على ثمانية صواريخ من طرازه من روسيا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وله القدرة على الانطلاق بسرعة تتخطى سرعة الصوت مرتين ونصف، ويصل مداه إلى 160 كيلومترا.

كما أن لإيران برنامجا فضائيا أعلنته عام 1998، وفي 4 فبراير (شباط) 2008 كشفت منظومته المتكاملة التي شملت منشآت لإطلاق صواريخ إلى الفضاء، ومنها الصاروخ «سفير» الذي طورته لحمل قمر صناعي باسم «أوميد»، مشيرة إلى أن هدفها المستقبلي يتمحور حول إطلاق قمر إيراني للتجسس وتصوير كل ما يجري على الأرض، وبالفعل أعلنت إيران في 2 فبراير 2009 إتمام عملية إطلاق «أوميد» على متن الصاروخ «سفير 2» بالتزامن مع الذكرى الثلاثين للثورة الإيرانية، وبالنظر إلى مدى هذه الصواريخ ونطاقات عملها، لفتت مصادر غربية إلى أن «طموحات إيران في بسط نفوذها تعدت حدود جيرانها وبقية دول الشرق الأوسط لتصل إلى دول أوروبا الغربية».

منظومة مستنسخة

ويلفت الانتباه عند تتبع منشأ وجذور تجربة إيران في بناء ترسانتها الصاروخية، أنها امتلكت الصواريخ الباليستية وحصلت على تكنولوجيتها بل ومصانعها عن طريق الشراء والتقليد والاستيلاء والسرقة وليس من خلال الابتكار، فبرنامج الصواريخ الإيراني لم يبدأ من الصفر وليس نتاجا خالصا للعقلية الإيرانية، كما تشيع طهران عبر دعاياتها المضللة عن اقتدار وتفوق علمائها وخبرائها المرتبطين بالبرنامج.

ومن المعلوم في الأوساط الاستخبارية والعسكرية أن إيران اشترت وتشتري صواريخها من روسيا والصين وكوريا الشمالية وأوكرانيا، كما أنها لا تزال تعتمد في التزود بالتكنولوجيا المتقدمة لتطوير صوريخها على روسيا والصين وكوريا الشمالية، وبدأت مسيرة إيران في امتلاك الصورايخ الباليستية خلال حربها ضد العراق في الفترة ما بين 1980 و1988، بشراء عدة صواريخ من طراز «سكود-بي» ذات مدى 300 كيلومتر أطلقت عليها اسم شهاب واستخدمت بعضها ضد المدن العراقية، وذلك بعد أن زودها نظام حافظ الأسد في سورية بعدد من صواريخ هذا الطراز خلال الحرب، واشترت في مرحلة لاحقة مجموعة من صواريخ «سكود-سي» التي يصل مداها إلى 600 كيلومتر، كما اشترت مصنعاً لتصنيع هذه الصواريخ من كوريا الشمالية وأطلقت عليها اسم شهاب2، وكذلك الحال بالنسبة لصاروخ شهاب3 الذي يراوح مداه بين 1300 و2000 كيلومتر، وأشار خبراء إلى أنه صنع استناداً إلى تكنولوجيا مصدرها كوريا الشمالية.

ويمتد نمط الشراء والتقليد والسطو ليشمل معظم مكونات المنظومة الصاروخية الإيرانية، فطهران تستنخ وتصنع وينخرط علماؤها في تطوير المستنسخ والمجلوب من الخارج دون ابتكار أصيل من ناحيتهم، وعلى الرغم من انعدام الذاتية في إنتاج إيران لصواريخها إلا أن أسلوب الشراء والاستنساخ، بحسب ما خلص محللون عسكريون عرب، ساعدها في اختصار الفترات الزمنية التي استغرقتها الدول الأخرى في بناء برامجها الصاروخية، كما وفّر على إيران ملايين الدولارات التي كانت ستنفقها لو أنها بدأت برنامجها من الصفر.

الإمكانات التخريبية

وتحليل مدى صواريخ الترسانة الإيرانية جدير بدحض أي ادعاءات للنظام الإيراني حول الطبيعة الدفاعية لتلك الصواريخ، فبعض طرز الصواريخ قصيرة المدى التي تمتلكها طهران، والتي أشرنا إلى مداها سابقاً، ومنها صاروخ فاتح-110، وشهاب1، وشهاب2، قادرة على ضرب كل المدن والموانئ والقواعد والمطارات العسكرية ومصافي النفط الموجودة على الجهة المقابلة لإيران في الخليج العربي، بينما في مقدور الصواريخ المتوسطة والطويلة المدى الوصول إلى العمق العربي واستهداف مواقع إستراتيجية في مصر والجزائر واليمن والأردن، وكذلك المجال الشرق أوسطي حيث تطال صواريخ إيران أهدافا في تركيا وباكستان وحتى جنوب روسيا، فيما تكمن خطورة توصل إيران إلى صنع صاروخ فضائي كما تحاول الآن، في قدرتها على وضع قنبلة نووية في مدار حول الأرض، وإسقاطها في المكان الذي تختاره كهدف بما في ذلك الأراضي الأمريكية.

ومن الناحية العملية، فلقد أطلقت إيران صواريخها أكثر من مرة على أهداف في دول عربية، منها ضرب تجمعات المعارضة الإيرانية داخل العراق ستّ مرات على الأقل في الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 1994 وأبريل (ونيسان) 2001، وفي مساء 18 يونيو (حزيران) الماضي شنت إيران هجمات صاروخية على مدينة دير الزور السورية مستخدمة صواريخ باليستية متوسطة المدى من طراز «ذو الفقار» الذي يصل مداه إلى نحو 600 كيلومتر ضد أهداف ومواقع زعمت أنها لتنظيم «داعش» الإرهابي، فيما لم تظهر الخرائط والصور المنشورة والمقاطع التي بثتها وكالة الأنباء الإيرانية أي قواعد للتنظيم المتطرف، رغم أن المرشد الأعلى علي خامنئي وصف ضرب دير الزور بـ«العبادة»، إذ خاطب قادة الحرس الثوري بعد ساعات من الضربة قائلاً: «ما قمتم به كان رائعاً، هذه عبادة شهر رمضان».

وفي سياق الاستخدام العملي للصواريخ ضد الدول العربية، تزود إيران الميليشيات العسكرية التابعة لها بأنواع من الصواريخ قصيرة المدى، لاستخدامها في الحرب الوكالة عنها ضد هذه الدول ومنها الصواريخ التي أمدت بها المتمردين الحوثيين، وهدد زعيمهم عبدالملك الحوثي في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي بشن هجمات صاروخية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة وأهداف نفطية سعودية.

أغراض هجومية

وكما يتضح من تحليل أبعاد خطورة برنامج الصورايخ الإيراني، ومسلك طهران العملي في استخدامه، لا يمكن التغاضي أبداً عن الطابع الهجومي للبرنامج، ومقدرة إيران على شن هجوم صاروخي مفاجئ وكثيف ضد الدول المجاورة، أو إغفال مخاطره على العرب، أو تجاهل فاعليته في الترهيب إذ تستخدم طهران البرنامج كوسيلة للحرب النفسية والتأثير السياسي والمعنوي ضد الدول الإقليمية وشعوبها، وتتعمد إثارة ضجة إعلامية حول المناورات التي تجريها واختباراتها الصاروخية واستعراضاتها العسكرية لهذا الغرض، رغم أن الحرب النفسية تمثل أقل فائدة إستراتيجية تعود على إيران من البرنامج.

وتكشف لنا إمكانات البرنامج في سياق موازين القوى الإقليمية، عن أسباب تشبث النظام الإيراني بتطوير قدراته الصاروخية واعتبارها ضمانة لمستقبله، وفي المقابل أسباب إصرار أمريكا على تعطيل تطور البرنامج وفرض القيود عليه، إذ أدرجه الرئيس ترمب ضمن إستراتيجيته تجاه إيران التي أعلنها الشهر الماضي، مشيراً إلى أن الصواريخ الباليستية الإيرانية تمثل تهديداً للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

وفي المحصلة، يؤكد كل ذلك زيف مزاعم إيران حول الطبيعة الدفاعية لبرنامجها الصاروخي، ويثبت أنه صمم لأغراض هجومية يتصدر العرب أولوياتها.