لم أعتد أن أطلب من موظف الخطوط مقعداً محدداً، إلا أنه بعد تناولي بطاقة صعود الطائرة، والدخول إلى قاعة السفر، تنتابني حالة من تأمل ملامح البشر، وإشراع نافذة الخيال، بعض الوجوه ناطقة، وبعضها ناضح بالجمال والحيوية تتمناها لو كانت في مقعد مجاور، وربما خامر هذا الشعور بعضكم.

عندما دخلت من باب الطائرة، أرشدتني المضيفة إلى مقعدي، وجدته سبقني إلى مجاورة الشباك، يبدو في مطلع العقد السابع. قمة الشياكة، ملامحه لا تدل على أنه عربي، ولذا لم أشغل نفسي به، ولم أقتحم خصوصيته، ولو بالسلام.

بعد أن أذن قائد الطائرة بفك الأحزمة، فتح طاولة الطعام وأخرج حاسوبه، فيما مددت يدي إلى كيس الكتب، وأخرجتُ رواية إميل حبيبي (المتشائل) وأثناء التلفت العفوي لمحته فاتحا جهازه على صفحات عربية، وبيده مفكرة صغيرة، يقرأ ويدوّن ملاحظات بخط عبري.

انتبه إلى كتابي، فالتفت لي مندهشاً، وبدأنا الحديث عن بطل الرواية أبي سعيد النحس، وعوالم إميل حبيبي الساخرة والسريالية، ومتحه من ألف ليلة وليلة، كانت عربيته الممزوجة بشيء من عجمة مثار إعجابي وإنصاتي.

قال لي: أنا يهودي، فانكمشت، ولاحظ ذلك، فقال: لكني لست صهيونياً، وأنا أستاذ أديان في جامعة بيرزيت، وتحولت إلى تلميذ أمام غزارة معلومات (ديفيد) وموضوعيته.

تحدث بحب عن النبي محمد عليه السلام، وأكد أنه رائد الأنسنة مع اليهود في المدينة، وسرد ما كان يعانيه اليهود من الأوس والخزرج بحكم الحس القبلي المتعاظم، والنظرة الطبقية الدونية، وعزا إلى الهجرة تحوّل اليهود من أقلية كادحة إلى مواطنين، عقد معهم الرسول شراكات اقتصادية إذ عاملهم على أرضهم بنصف ما تنتج، ووطد علاقته الاجتماعية بزواجه من أم المؤمنين صفيّة، ومكنهم ثقافياً من خلال بقائهم على معتقدهم وممارسة طقوسهم، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي استلف منه شعيراً، وكان يزور جيرانه اليهود، ويزورونه. قلتُ: ولحقته أذية، فقال: الجهلة والحمقى فقط هم من يشوّه العلاقات الإنسانية.

أكد لي الجار أنه مع تطبيق المبادرة العربية، فأعلنت المضيفة تنبيه ربط الأحزمة. قبل مغادرته صافحني قائلاً: شالوم، فقلت: سلام.

Al_ARobai@