سعيد الباحص (الدمام)
بنفسه الهادئ، لم يتوان المدير العام لمؤسّسة الفكر العربي البروفيسور هنري العَويط عن كشف الرؤى والإستراتيجيات التي تنتهجها المؤسسة؛ إذ تهدف إلى مأسسة الفكر العربي وفق علمية التفكير والرؤية، وهذا ما تسعى إليه المؤسسة وفق رؤية رئيسها الأمير خالد الفيصل. يكشف الحوار عن جوهر المنتديات التي تقيمها المؤسسة، وتذهب إلى أن الجوائز الثقافية المقدمة المتخصصة للشباب العربي وللمبدعين مختصة بالفكرة الاستثنائية والتي تخرج عن المألوف وتقدّم ابتكاراً جديداً في طريقة المعالجة، فإليكم نص الحوار:

• جائزة الإبداع العربي هي من الجوائز الثقافيّة المُخصّصة للشباب العربيّ عموماً والمبدعين خصوصاً، وقد أعلنتم عن فتح باب الترشيح للجائزة في دورتها الحادية عشرة للعام 2017، ما هي أهمّية هذه الجائزة برأيكم؟

•• تبحثُ مؤسّسة الفكر العربيّ عن الإبداع في الفكرة الاستثنائيّة التي تخرج عن المألوف، وتقدّم ابتكاراً جديداً في طريقة المعالجة، وذلك في إطار سعيها لإعلاء قيمة الإبداع في الوطن العربيّ، وإيماناً منها بالدور الفاعل للأفكار الخلّاقة والمبدعة والمبادرات الرائدة في تنمية المجتمعات العربيّة وتطوّرها، وذلك انسجاماً مع أهداف المؤسّسة وتوجيهات مجلس أمنائها، والتزاماً بنهج رئيسها صاحب السموّ الملكي الأمير خالد الفيصل، الذي قال إنّ «العرب مبدعون وأنّ الجائزة هي اعتراف واحتفاء بمنجزاتهم، وأنّ تعزيز الإبداع وتكثيفه هما في صلب رسالة مؤسّسة الفكر العربيّ، إذ لا بدّ للحضارة من فكر وللفكر من إبداع وللإبداع من مبدعين».

كما أن جائزة الإبداع العربيّ تُمنح في ستة مجالات، هي: جائزة الإبداع لأهمّ كتاب، الإبداع الاقتصاديّ، الإبداع المجتمعيّ، الإبداع الإعلاميّ، الإبداع الأدبيّ، والإبداع الفنّيّ، ونحن مستمرّون في تلقّي طلبات الترشيح حتّى 30 نوفمبر 2017. وينال الفائز في كلّ مجال من مجالات الجائزة مبلغاً وقدره 25 ألف دولار أمريكي، فيما ينال الفائز بجائزة أهمّ كتاب مبلغاً وقدره 50 ألف دولار أمريكي.

• هل أن مؤسّسة الفكر العربيّ، وبما تحمل من مشروعات ثقافيّة وحضاريّة، بقادرةٍ على أن تكون الصوت العربيّ الذي يعبِّر عن العرب كلّهم بجميع أطيافهم واتّجاهاتهم؟

•• لسنا بالتأكيد المؤسّسة الفكريّة العربيّة الوحيدة التي تدّعي حمل «الصوت العربيّ الذي يعبّر عن العرب كلهم»، كما جاء في سؤالك، بل نحن واحدة من مؤسّسات فكريّة وثقافيّة عربيّة عدّة تجتهد لتحمل أمانة همّ الإنسان العربيّ وقضايا الشعوب والمجتمعات العربيّة في الصميم، خصوصاً في ظلّ الظروف الحرجة التي نحياها عرباً جميعاً اليوم. لكنّنا كمؤسّسة فكر عربيّ، ومن خلال الأمير خالد الفيصل، ومجلسَي الأمناء والإدارة، أخذنا على عاتقنا تحمّل المسؤولية في هذه الظروف الصعبة التي تعصف بمنطقتنا، ورسمنا في إطار مهامّ رسالة مؤسّستنا وأهدافها، خطوات فكريّة وعمليّة أخرى ستكون تتويجاً لمسار البحث النظري والعملي في مسألة التكامل العربيّ عبر ما سبق من مؤتمرات اضطلعت بها المؤسّسة على مدى الأعوام الثلاثة الفائتة. ووفق رؤية جديدة و«نهج جديد»، وسنترجم ذلك عملياً في مؤتمرنا المقبل في العام 2018، وسيتمّ الإعلان عن هذه الترجمة في حينه.

•ركّز مؤتمر «فكر15» السنوي على «فلسفة السؤال»؛ ما معنى ذلك وما هي أبعاده؟

•• أصل المسألة عائد هنا إلى ضرورة تكريس التفكير والخِطاب العِلميَّين، بدل إطلاق الأجوبة الجاهزة أو المتسرّعة، بشكلٍ مرتجل واعتباطيّ، عن قضايا لم يتمّ البحث أو التعمّق فيها بشكل منهجيّ. فالسؤال، بخلاف ما قد يظنّ البعض، يوجِّه البحث العلميّ ويُسهِم في تطويره، وهو مدخلٌ لبلوغ الحقيقة. ولكي يقوم السؤال بهذا الدَّور المعرفيّ والتوجيهيّ، لا بدّ أن يكون سؤالاً محفّزاً على التفكير، لا ينطلق من أحكامٍ مسبقة، ولا يحمل جواباً مسبقاً، ولا بدّ أن تكون صياغته قد اقتضت قراءةً معمّقة جدّاً للموضوع الذي يدور حوله هذا السؤال. فالسؤال بحسب الفيلسوف الكبير سقراط «يولِّد الأفكار»، وذلك أنّه ليس من جوابٍ شافٍ ومُجدٍ من دون سؤال مُحكَم.

• التكامل العربيّ هو العنوان والهدف الذي طرحته مؤسّسة الفكر العربيّ في مؤتمر «فكر15» الأخير، وذلك للمرّة الثالثة بعد مؤتمرَين سابقَين؛ ما هو تركيز مؤسّسة الفكر العربي على هذا الموضوع؟ وهل لدى المؤسّسة مُقارَبة جديدة له أو أنّها تقع في مأزق إعادة توصيف الواقع والأزمات؟

•• تعرفون أنّ مؤسّسة الفكر العربيّ هي مؤسّسة موجّهةٌ لكلّ العرب في مشرق الوطن العربي ومغربه، وهدفها بحسب نظامها الداخليّ، تنمية الاعتزاز بثوابت الأمّة، وقيمها، وهويّتها، ونبذ دواعي الفرقة، وتحقيق تضامن الأمّة، وتوحيد جهودها. وبناء عليه، ولأنّ الوضع العربي هو على ما هو عليه من سوء أحوالٍ مؤسفة، سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً، ولأنّ الأمور تتفاقم على نحو مخيف ومتسارع، يؤشّر بدوره إلى خطر الانقسام والتفكّك، وحتى التشظّي، لكيانات دولنا العربيّة نفسها المتعارف عليها منذ زمن استقلالاتها إلى اليوم، فقد آلت مؤسّسة الفكر العربيّ على نفسها أن تدخل على خطّ الأزمة الكبرى هذه، ولكن دائماً من بوابّة نشدان المصلحة العليا للأمّة العربيّة، بعيداً من كلّ التداعيات السوداويّة والمدمّرة على الأرض. وهذا هو دأب رئيسها الأمير خالد الفيصل، الذي وجّه بضرورة الردّ على هذا «الانتحار الجماعي العربيّ» بنهج التفكير العربيّ المشترك، والعمل العربي المشترك، فكانت مؤتمرات المؤسّسة الثلاثة الأخيرة (في الصخيرات بالمغرب، والقاهرة، وأبوظبي) تحت عنوان التكامل العربيّ، وضرورة قيام مثل هذا التكامل، على الأقلّ فكريّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، تمهيداً لترسيخه سياسيّاً، من طرف صنّاع القرار العربيّ.

وفي المناسبة، إنّ الدعوة إلى التكامل العربيّ، لا تأتي من مجرّد دافع مواجهة «تسوناميات» المخاطر السياسيّة والبنيويّة الجذريّة التي تحيق بدولنا العربيّة ومصائرها فقط، بل هي دعوة للبناء من جديد، وإحداث نوعٍ من نهضة عربيّة مستجدّة تستفيد من دروس كلّ التجارب القوميّة السابقة وإخفاقاتها. كما أنّ هذه الدعوة إلى التكامل العربيّ معنيّ بالمشاركة فيها كلّ العرب من سياسيّين ومفكّرين واقتصاديّين ومثقّفين ورجال أعمال متنوّرين، وأكاديميّين وإعلاميّين وتقنيّين وعلماء اجتماع وعلماء نفس... إلخ.

• ثمّة سؤال يؤرِّق الكثيرين، وهو أنّنا نتحدّث عن «التكامل العربيّ» و«العمل الثقافيّ العربيّ المُشترَك»، فيما المنطقة العربيّة اليوم تَئِنّ تحت وطأة الحروب والصراعات والانقسامات؛ فما هو ردّك على ذلك؟

•• ردّي عن هذا السؤال، تطرّقت إلى جوانب منه في تضاعيف إجابتي عن السؤال السابق، وما أضيفه هنا، هو أنّه كلّما تعقّد المشهد العربيّ، وتأزّم أكثر فأكثر، فلا مناصّ من الدعوة إلى المزيد.. والمزيد من التضامن العربيّ والتكامل العربيّ. فكيف نردّ مثلاً على دعاة التفرقة والتشرذم باسم الدين، وكذلك جماعات الإيديولوجيّات المتعصّبة والمغلقة، التي تنادي بالتمييز والإقصاء والتهميش، داخل بلداننا العربيّة وخارجها؟! كيف نردّ بغير منطق الهويّة العربيّة الجامعة التي تضمّ تحت رايتها كلّ أشكال التنوّع وكافة التعدّديات التي تتميّز بها مجتمعاتنا العربيّة التي يجمعها تاريخ واحد، وماضٍ واحد، ولغة واحدة، وتراث ثقافي وفلسفي وأدبي تعدّدي واحد، ومصير واحد؟ هكذا، ومن قلب أتون النار العربي الملتهب اليوم، ليس لنا إلّا الدعوة إلى التكامل العربيّ، ولو في حدّه الأدنى، طموحاً إلى الأقصى.. طموحاً إلى بقاء النظام العربيّ الإقليمي وتعزيزه بإستراتيجيّة أمنيّة عربيّة واضحة وفاعلة، تنطلق، أوّلاً وأخيراً، من مصالح الدول العربيّة في راهنها ومستقبلها.

على أنّنا، في المقابل، يجب أن نتذكّر دائماً أنّ حاضر دولنا ومستقبلها، رهنٌ بالإنسان العربيّ، وعليه فإنّ تعزيزه بأمنه الشخصي والعائلي، وبضمان حريته وخياراته وحياته الكريمة ومستقبله، هو الذي يحفظ كيان دولنا واستمرارها. وينبغي أن نعرف أنّ سياسات الإخفاق في نهج التنمية على كلّ صعيد، عربيّاً، وخصوصاً لناحية التنمية الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، هي التي أدّت - وعلى نحو كبير- إلى كلّ هذا التشرذم العربيّ الحاصل اليوم، كما وأدّت الى التبلبل في النظر، حتى إلى الهويّة العربيّة بذاتها، ومن طرف الإنسان العربيّ المخلص لهويّته العربيّة الحضاريّة.

• من المُلاحظ أنّ تطلّعات الشباب العربيّ كبيرة، لكنّه يحيا واقعاً مأزوماً؛ فهل إنّ مفهوم التكامل العربي بقادرٍ على تحقيق هذه التطلّعات في الزّمن المأزوم هذا؟

•• الدعوة إلى التكامل العربيّ هي دعوةٌ موجّهةٌ في الأساس إلى فئة الشباب، ليس باعتبار الشباب عنصراً أساسيّاً وفاعلاً في المجتمع وهم بناة المستقبل فحسب، بل لأنّ الشباب هم الذين يصنعون (وسيظلّون يصنعون) أوليات التغيير الحقيقي الذي ننشده جميعاً، ونحن اليوم بأمسّ الحاجة إليه. ولقد جعلت مؤسّسة الفكر العربيّ من الشباب العربيّ قطبها الرؤيوي، وكرّست في صميم رسالتها وأنشطتها برنامجاً نظريّاً وعملياً خاصّاً بهم، عزّزته طبعاً بآليّات روح المشاركة والتعاون والإبداع، في مسعىً منها لتعزيز قدراتهم على إحداث التغيير الإيجابيّ داخل المجتمع وقيادة مسيرة تطويره وتجديده، فاستحدثت لهذا الغرض في العام 2007 «برنامج سفراء شباب الفكر العربيّ». يمثّل كلّ شاب عربيّ ممّن انتظم داخله، في بلده، جسر تواصل فكريّ وثقافيّ، بين «مؤسّسة الفكر العربيّ» من جهة، والجهات الفكريّة والثقافيّة المعنيّة في بلده، من جهةٍ أخرى.

وتسعى مؤسّسة الفكر العربيّ، من خلال هذا البرنامج، إلى تعزيز المعرفة لدى الشباب، ومدّهم بالخبرات اللّازمة، بفضل دورات تدريبيّة تفاعليّة تَصقل قدراتهم وتنمّي مهارات التواصل لديهم، بهدف تمكينهم ومن أجل حثّهم على التفاعل الاجتماعيّ والمدنيّ، وتحفيزهم على لعب دور رئيس في تطوير المنطقة والإسهام في تحسين مستقبلهم، ومن أجل تشجيعهم على اقتراح مشاريع إبداعيّة مجتمعيّة تقدّم حلولاً إيجابيّة وأفكاراً مُبتكرة ومستدامة، من شأنها الإسهام في تحقيق التنمية في الوطن العربيّ.

إذن، الاهتمام بالشباب العربيّ هو إستراتيجيّة قائمة بذاتها لدى مؤسّسة الفكر العربيّ تستهدف من خلالها تكوين جيل فتيّ جديد من المثقّفين والمفكّرين العرب الواعين لقضايا الحاضر، والقادرين على استشراف المستقبل والاضطلاع بمسؤولية المساهمة في بنائه. كما تستهدف إيجاد منابر ومنصّات تتيح للشباب العربيّ الفرصة لطرح القضايا الأكثر إلحاحاً التي تواجه الأجيال المقبلة، واقتراح الحلول المناسبة لها.

غير أنّنا في المقابل، يجب أن نعترف أنّ واقع الشباب العربيّ اليوم، هو في أسوأ أحواله أيضاً؛ فهذا الشباب هو ضحيّة للأوضاع الاقتصاديّة الصعبة من بطالة وتهميش وفقر متفاقم، ما يعرّض الشباب عموماً لأن يلجأ الى شبكات الانحراف بأشكالها المختلفة، ومن بينها الانخراط في التنظيمات الإرهابيّة، في غياب أيّ خبرة تعصمه، أو منطق يهديه إلى سواء السبيل.

وإذا كان الشباب هو المحور الرئيس في عمليّة التنمية، مطلق عمليّة تنمية، فلا بدّ إذن لسياسة التكامل العربيّ من أن تضع في حسبانها مثل هذا الشأن الحيوي، وخصوصاً لجهة التنمية الفكريّة والسياسيّة، إذ ثبت لعلماء الاجتماع أنّ مشاركة الفئات الفتيّة أو الشابّة في العمليّة السياسيّة، من شأنها أن تخفّف الكثير من الاحتقانات السائدة بين الدول ومجتمعاتها، شرقاً وغرباً، وتحقّق بالتالي أعلى نسبة من أهداف التنمية الاجتماعيّة والتنمية الاقتصاديّة، وتتيح للمواطن بأن يكون أكثر تفاؤلاً وثقة بحاضره ومستقبله.. وكذلك أكثر إسهاماً في تحقيق الأهداف بمشاركة حكّامه ومسؤوليه في الوطن.

• هل ستتوصّل مؤسّسة الفكر العربيّ إلى أن تكون منصّة للإعلام الحرّ، فتطرح القضايا الجسام وتبحث عن علاجها؟ وما هي نقاط التلاقي مع جامعة الدول العربيّة ودَورها في هذا المضمار؟

•• لا أظنّ أنّني أبالغ إذا أجبتك بأنّ هذا هو بالتحديد ما تطمح إليه المؤسّسة، والدليل هو أنّها منذ مؤتمرها الأوّل، أي «فكر 1» الذي عُقد في القاهرة في العام 2002، بدأت بطرح القضايا الساخنة بجرأة تجلّت في محاور وأسئلة مثل: «نحو علاقة عادِلة بين العرب والغرب»، «ماذا لو فشل خيار السلام؟»، «تكامُل الاقتصاد العربيّ وأسباب الفشل»، «التعليم العربيّ: الواقع والمستقبل»، «الشورى والديموقراطيّة: رؤية عصريّة»، «الديانات السماويّة والهويّة العربيّة»، «المُعالجات الإعلاميّة للمشكلات العربيّة»، «متى يصبح العرب مُنتجين للتقنية؟»، «إسهام المرأة في الفكر العربيّ»، «الّلغة العربيّة وروح العصر»...إلخ؛ واستمرّت المؤسّسة على هذا النَّهج في مؤتمراتها اللّاحقة التي حملت عناوين مثل «استشراف المستقبل العربيّ» مؤتمر «فكر2»، أو «الإستراتيجيّة العربيّة في عصر العَولَمة» مؤتمر «فكر 6»، أو «العالَم يرسم المستقبل...دَور العرب؟»مؤتمر «فكر9». كما جعلت المؤسّسة من كلّ أنشطتها، من تقارير وأبحاث وترجمات ومؤتمرات، فضلاً عن مؤتمر «فكر» السنويّ، فضاءات حرّة للنقاشات المسؤولة. أمّا عن نقاط التلاقي مع جامعة الدول العربيّة، فلعلّ أبرزها هو السعي إلى تعزيز العمل العربيّ المشترَك.

صحيح أنّ جامعة الدول العربيّة لم تنجح في تحقيق جميع الأهداف التي أُنشئت من أجلها، لكن يبقى أنّها، المظلّة العربيّة الجامعة التي تضطّلع بدَورها في تعزيز مكانة العرب بين أُمم العالَم، والعمل على التقريب بين العرب عند كلّ نزاع عربيّ- عربيّ، فضلاً عن تعزيز التعاون العربيّ في المجالات كافّة.

• لقد حمل «التقرير العربيّ التاسع للتنمية الثقافيّة» دراساتٍ وأبحاثاً ترصد الجانب الثقافيّ في دول مجلس التعاون؛ هل لكَ أن تقدّم لنا فكرة عامّة عمّا توصّل إليه التقرير في هذا الصّدد؟

•• أظهر التقرير بدايةً أنّ الخليج العربيّ كوحدة جغرافيّة وتاريخيّة وثقافيّة، لم ينشأ مع قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، ذلك أنّ أشكالاً من التواصل الثقافيّ كانت، ولمّا تزل، قائمة بين أجزاء هذه المنطقة، نتيجة الجغرافيا والتاريخ المُشترَك، فضلاً عن أمداء البيئة الطبيعيّة والمجتمعيّة الواحدة. ولئن كانت الثقافة في الخليج وتحدّياتها غير منفصلة عن تلك التي تُواجهُها الثقافة العربيّة بشكل عامّ، إلّا أنّ ظروف التطوّر الخاصّة التي مرّت بها منطقة الخليج العربيّ، وانفتاحها الكبير والمفاجئ على العالَم الذي تزامن مع الفَوْرة النفطيّة، منح بعض الخصوصيّة للتحدّيات التي يُواجهُها تطوّر هذه الثقافة ونموّها في الخليج.

لكنّ ذلك لم يحجب الحضور الثقافيّ لدول الخليج عربيّاً ودوليّاً، من خلال مجموعة من النشاطات والفعاليّات الثقافيّة والإصدارات التي تقوم بها مؤسّسات ثقافيّة وبحثيّة.

وانسجاماً مع المنهج العلميّ للتقرير، جرى تقديم قراءةٍ نقديّة لخطّة التنمية الثقافيّة لدُول مجلس التعاون (التي أقرّها المجلس الأعلى في الرياض في العام 1987)، وللإستراتيجيّة الثقافيّة لدول المجلس (التي تمّ اعتمادها خلال الدورة التاسعة والعشرين للمجلس الأعلى في مسقط في العام 2008). وقد سُلِّط الضوء في هذه القراءة على النُّظم والتشريعات، والنشاطات الثقافيّة المُشترَكة، فضلاً عن الإنجازات والتحدّيات.

من جهةٍ ثانية، مثّل التقرير نوعاً من الببليوغرافيا الغنيّة من خلال بابه الثاني، حيث عرَّف بأبرز المؤسّسات والهيئات الثقافيّة، من حكوميّةٍ وغير حكوميّة، وأدوارها، ونشاطاتها، وإنجازاتها، مُستعرضاً مراكز الأبحاث والدراسات، وجمعيّات اللّغة العربيّة، والأندية الأدبيّة، والمراكز الثقافيّة، وجوائز الإبداع، ومعارض الكُتب، والمتاحف، ودُور المخطوطات، وبعثات التنقيب عن الآثار، وحركة الترجمة، وإصدارات الطوابع، والإعلام الثقافيّ الذي تتولّاه الدوريّات والملاحق والصفحات والقنوات المتخصّصة، راسماً دورَها في الإنتاج المعرفيّ، وفي تحفيز العمل الثقافيّ، والإسهام في التنمية الثقافيّة، وراسماً أيضاً دورَها في الحفاظ على التراث الشعبيّ الخليجيّ من فولكلور وغناء وموسيقى. فيما كشف الباب الثالث والأخير عن المشهد الإبداعيّ الخليجيّ من خلال القصّة، والرواية، والشعر بنوعَيه الفصيح والعاميّ، والدراسات النقديّة، والسينما، والمسرح، والفنون البصريّة، وهي المجالات التي سمحت بالتعرّف إلى تجلّيات النهضة الثقافيّة الخليجيّة، وإلى أبرز أعلامها، ومناهجها، وتيّاراتها، ومدارسها، وسِماتها، وتحوّلاتها. وقد انتهى التقرير إلى الإسهام في رسم آفاق تطوير خطّة التنمية الثقافيّة لدول الخليج العربيّة، مُستنداً بذلك إلى الإشكاليّات، والتحدّيات التي كشفت عنها أبوابه على تنوّعها.

• هل قامت مراكز البحوث في مجلس التعاون بدَورها أسوة بمراكز البحوث الغربيّة؟

•• بيّن التقرير أنّ الاستفادة من مراكز البحوث في دول مجلس التعاون الخليجيّ لم تكُن في السابق بالقدر المأمول منها، ولاسيّما في ما يخصّ الإسهام في صناعة القرار؛ ذلك أنّ معظم مراكز البحوث والدراسات الخليجيّة هي مؤسّسات خاصّة، أو أكاديميّة، تعمل داخل حرم جامعات دُول مجلس التعاون الخليجيّ، ما يجعل صلتها بصانع القرار السياسيّ ضعيفة. لكن في المقابل، يبعث الواقع الحاليّ على التفاؤل، إذ تطوّرت مراكز البحوث وما يصدر عنها من تحليلات وتقارير سياسيّة وإستراتيجيّة بعد العام 2000، وبدأت المؤسّسات الحكوميّة الرئيسة بالاستعانة بالخبرات البحثيّة المحلّية، من أفراد ومؤسّسات، وهو الأمر الذي يُبرز أهمّية مراكز البحوث ويؤكّد ضرورتها ويُثبت جدواها.

• ما هي الإستراتيجيّة الثقافيّة المُشترَكة التي يتوجّب على دُول مجلس التعاون الخليجيّ تفعيلها في هذا الوقت بالذّات؟

•• لا بدّ من مراجعة الإستراتيجيّة الثقافيّة المُشترَكة لدُول مجلس التعاون وتقييمها بصورة دوريّة، ذلك أنّ تعزيز عوامل التكامل بين دُول المجلس، يحتاج إلى تفعيل العمل الثقافيّ وجعْله في تفاعل دائم مع المحيط العربيّ والعالميّ. ولعلّ العمل على إنجاح هذه الإستراتيجيّة مشروط بمدى ملامستها اهتمامات الناس وتطلّعاتهم واحتياجاتهم، وبمدى مشاركتهم في إنتاجها. هذه الإستراتيجيّة التي يُفترض أن تكون بمثابة خريطة طريق للسياسات الثقافيّة الخليجيّة المُشترَكة، ينبغي عليها في الزّمن الراهن، وأكثر من أيّ وقت مضى، أن تقوم بدَورٍ تنويريّ، وأن تقود إلى الأمن الثقافيّ، سواء لجهة تحقيق الاكتفاء الذاتيّ من الحاجات الثقافيّة، من إنتاجٍ وتراكمٍ إبداعيّ، أم لجهة حماية الثقافة من خطر الاستباحة، والقيَم المرذولة، مثل التعصّب والكراهية والإحباط وغيرها من القيم التي تؤدّي في النهاية إلى تدمير مجتمعاتنا وشرذمتها.

• ما هي الكلمة التي تودّ قولها في ختام هذه المقابلة؟

•• أشكر صحيفة «عكاظ» على إتاحتها الفرصة لي لأطلّ منها على قرّائها داخل المملكة العربيّة السعوديّة وخارجها للإضاءة على رسالة مؤسّسة الفكر العربيّ وأهدافها، وعلى بعض ما تضطلع به من أنشطة فكريّة وثقافيّة تُسهِم في خدمة مجتمعاتنا العربيّة وتنميتها. وأودّ أن أوجّه في هذه المناسبة الدعوة إلى عموم الكتّاب والمثقّفين في المملكة وسائر دول مجلس التعاون للانخراط في الكتابة ببعض المنابر الدوريّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ، ولاسيّما من بينها مطبوعة «أفق»، التي تُنشر مقالاتها بوتيرةٍ أسبوعيّة على الموقع الإلكتروني الخاصّ بالمؤسّسة، وتَصدر في صيغتها الورقيّة مطلع كلّ شهر مع عددٍ من الصحف العربيّة المرموقة، داخل الخليج العربيّ، وعلى المستوى العربيّ الأشمل.