كنّا نفكر كفريق عمل منذ أن بدأنا إنتاج برنامج 99 عام 2007 على القناة الرياضية في كيفية صناعة صف ثانِ من الكفاءات كلٌّ في تخصصه، لكنْ لضعف مخرجات الجامعات، وغياب التدريب المحترف، وعدم وجود مؤسسة متخصصة في هذا المجال، لم نحقق نتيجة مرضية. ولذلك؛ فإن قرار مجلس إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون باعتماد إنشاء أكاديمية إعلامية متخصصة لتدريب منسوبي الهيئة أو القطاع الإعلامي بشكل عام، قد وجد ترحيباً واسعاً من صُنّاع الإعلام في المملكة، لأن قرارا نوعيا كهذا والذي يستهدف تطوير جوهر هذه الصناعة وهو الإنسان سيحقق نقلة كبيرة في رفع كفاءة رأس المال البشري، وظهور واكتشاف مواهب سعودية من الجنسين كانت مدفونة.

وأذكر أن معالي د. فؤاد بن عبدالسلام الفارسي وزير الإعلام السابق استضافه مجلس الشورى عام 2003 وسأله أعضاء المجلس عن سبب ضعف أداء التلفزيون السعودي فأجاب: «بأنّ لدي موظفين وليس إعلاميين». وكان قصد معاليه أن منسوبي التلفزيون السعودي موظفون على سلّم وظائف حكومية، وليست وظائفهم حرة يحكمها التنافس والإبداع وإنتاجية الفرد.

وما سبق لم يكن السبب الوحيد لضعف أداء التلفزيون، بل يضاف إليه محدودية الموارد المالية للإنتاج التلفزيوني لسببين، الأول: صرف جزء كبير من المليار و800 مليون ريال وهي ميزانية الهيئة على رواتب قرابة 5000 موظف، وعلى عقود سنوية لمشاريع الصيانة والتبادل الإخباري وغيرها. والثاني: ارتباط قرار الإنتاج بتوفُّر سيولة نقدية في بند الإنتاج، مع ضرورة إجازة العقود من وزارة المالية كمتطلب رئيس لإصدار التعميد، وهذا الروتين يتعارض مع الصناعة الإعلامية التي تتطلع إليها السعودية الجديدة في رؤيتها الطموحة 2030، ولهذا استبشرنا كثيراً بقرار نوعي آخر صدر من مجلس إدارة الهيئة بإنشاء شركة استثمار تستثمر في أصول هيئة الإذاعة والتلفزيون في مختلف مناطق المملكة، تقارب قيمتها حسب معلوماتي أكثر من مليار ريال، والتي لو تم استثمارها وحققت أرباحاً بنسبة 10% فقط، لتحقّق للهيئة موردٌ ماليٌّ ذاتيّ خارج ميزانيتها يقارب 100 مليون ريال سنوياً، كان مهدراً لسنوات.

ولو نظرنا باختصار للأهداف المرجوّة من هذين القرارين لوجدنا أن الأول يهدف إلى إنتاج رأسمال بشري مُدرب، والقرار الثاني يهدف إلى توفير رأسمال نقدي خارج الميزانية، وكلاهما لتذليل الصعوبات للوصول لإنتاج تلفزيوني بجودة عالية، ولذلك صدر قرار ثالث بإنشاء شركة للإنتاج الإعلامي مملوكة للهيئة تستثمر كل نقاط القوة التي يتميز بها التلفزيون السعودي اليوم، والتي تتمناها أي شركة إنتاج في القطاع الخاص، من تجهيزات متكاملة وعربات نقل وأكثر من 40 استديو، وميزانية حرّة، وكفاءات، وخبرات إدارية ومقرات منتشرة على مستوى المملكة، لينطلق التلفزيون في المنافسة، ويستردّ أبناءه المبدعين الذين هاجروا بسبب ضعف مدخولاتهم، ويستطيع مجاراة السوق في استقطاب الكفاءات المحلية والعالمية والتي سترفع من مستوى الإنتاج، وسترتفع على إثرها نسبة المشاهدة، فيتحقق دخل آخر عن طريق الرعايات الإعلانية.

ولو نجحت الخطة المعدّة لهذه القرارات الثلاثة، فإنّ وزير الثقافة والإعلام د. عواد العوّاد والذي عُرف عنه الانشغال الصامت بالعمل النوعي، سيكون أول وزير إعلام خرج عن مفهوم «إدارة الإعلام» إلى «صناعة الإعلام» صناعة حقيقية تجعل مستوى إعلام المملكة موازياً لمكانتها الرفيعة، وكلنا ثقة بنجاح معاليه ونجاح فريقه المؤهَّل بقيادة الشاب م. عبدالإله بسيوني رئيس لجنة تسيير الأعمال بهيئة الإذاعة والتلفزيون. وكأنّي أرى في عيون زملائي المحبطين نظرات أمل وتفاؤل بهذه القرارات التاريخية وثقة بسرعة التنفيذ لتفريغ إبداعاتهم داخل تلفزيون وطنهم، لتغنيهم عن العمل خارج التلفزيون بنظام الدوام الجزئي أو بالقطعة تحت رحمة المنتجين، وهذه مهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة ما دامت من اهتمامات وأولويات قائد التغيير ملك الحزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وما دام أنّ عرَّاب السعودية الجديدة سموّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وراء هذا التشخيص الناجح لإعلامنا السعودي بنوعيه الداخلي، والخارجي والذي من المتوقع استهدافه هو الآخر بحزمة من القرارات النوعية لتقطع الطريق على حملات التشويه المُغرضة والمقصودة التي نتعرض لها من حين لآخر، ولنستطيع إيصال صورتنا الحقيقية إلى العالم كما هي مسلمون مسالمون نحبّ التعايش وننبذ الكراهية.

* إعلامي سعودي

‏www.alghaydan.com