ليس مستغرباً أن تقيم المملكة مجمعاً للحديث النبوي في هذا التوقيت. فنسبة بعض الأحاديث للدِّين، وهي ليست منه إشكالية كبرى. خصوصاً أن الحديث لم يدوّن إلا بعد وفاة النبي عليه السلام بأكثر من مائة عام، وتم جمعه من الذاكرة، باعتباره محفوظاً، والاعتماد على ذاكرة موزّعة في الأمصار مظنة للنسيان.

توارثنا ثقافة لا تمت إلى الإنسانية بصلة، ما يعني أنها لا تمت للدِّين الإسلامي، بل هي من المتخيّل أو المتوهم الهائج، ومطلق العنان، والمؤجج في صدر المتلقي الضغائن والأحقاد ضد كل المكونات الحياتية، ومجمع الحديث سيتولى الفرز للتراث النبوي، ويخضع المرويات للنقد مجدداً، لإقصاء كل ما يتنافى مع قيم الإسلام الخالدة، ومبادئه السمحة، كون ديننا إنساني النزعة، ومتى ما خلا إنسان من إنسانيته تحوّل إلى وحش كاسر.

نعلم أن تدوين الحديث جاء بعد تعاقب دول، وتبدّل أنظمة، وتناحر طوائف، وتجادل فرق، وتفاصل مذاهب فقهية، ما يعني أن كل الإشكالات انعكست سلباً على تدوين بعض الأحاديث، والتي تجلت في الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فتداخلت الشهوات بالشبهات، والإلهي بالبشري، والعادي بالعِبادي، دون أن يقف حاكم حازم في عصر من العصور ليخلّص هذا التراث من شوائبه.

بالطبع مصدر تشريعنا الأول القرآن، وفي ظل تمسك البعض بتفسيره تفسيراً تقليدياً يتناسب مع بيئة نزوله وزمانها، مع نفور من القراءة المتجددة القائمة على العلم والعقل وفلسفة النص، فإننا لن نخرج من دائرة الفكر العدواني، وأهيب بمجمع المصحف الشريف أن يؤسس مركزاً علمياً لتفسير القرآن ليمكن من خلاله تجاوز رواسب كتب التفسير التراثية والمفسرة لآيات ظنية تفسيراً قطعياً وبالأخص علاقتنا مع الآخر وبه.

نحن دولة مسلمة، ونملك من مقومات الريادة، ما يغنينا عن تسوّل المعارف الفكرية والثقافية من الآخرين، إلا أن اختراقنا من أحزاب وجماعات كرّست جمودنا الفقهي، وصبغت الحقب التنويرية بالاتهامات، والسوداوية، ما عطّلنا عقوداً، وغدونا أسارى أفكار الحزب المُحنّط، الذي عزز في مخيلتنا أننا ورثة القتلة من رموز عصور الانحطاط والظلام.

ها هو ولي عهدنا يقلب لهم ظهر المجن ويؤكد أننا ورثة الإبداع والازدهار، وأن دولتنا تعنى بالدين عنايتها بالدنيا، وها هي تجمع المجد من أطرافه، وتتبنى إصلاح دِين المجتمع ودنياه.

Al_ARobai@