بخيت طالع الزهراني
انقضى حتى الآن أكثر من شهر على بداية العام الدراسي الجديد، لكن دعوني أستعيد هذا الموقف، ففي عشية العودة للمدارس رأيت في حارتنا رهطا من الشباب يلعبون كرة القدم، وظللت لدقائق ألمحهم في تلك الساعة من الليل التي كان يتوجب فيها عليهم أن يكونوا في فرش نومهم استعدادا لمدارسهم وجامعاتهم بـ«رغبة» ونشاط.

كانت قراءتي للموقف أن أولئك ما زال لديهم «جوع» إلى النشاطات لم تسده إجازة الصيف بكل طولها وعرضها، ما جعلهم يزهدون في الأمر الثاني مقابل شغفهم بالأمر الأول، وتلك حالة طبيعية لا يلامون عليها.

أما بقية الطلاب والطالبات فتوزعت اهتماماتهم بين الجلوس في بيوتهم منكبين على حواسبهم وأجهزة التواصل الاجتماعي، أو في جولات تسكع في الشوارع أو على الشواطئ حتى وقت متأخر من الليل، وربما ذهب عدد غير قليل منهم إلى مدارسهم وهم «مواصلون».

وعلى أية حال فإن العبرة في العطلات المدرسية إنما يكون في «كيفيتها» وليس في «كمها».. ففي بعض البلاد لا تزيد على ثلاثة أسابيع لكنها تكون مشحونة بنشاطات مبهجة يعود بعدها الطلاب وقد شبعوا سعادة وفرحة فيبدأون عامهم الدراسي بـ«رغبة» عارمة.

ويقابل ذلك العطلة الدراسية لطلابنا هنا، فعلى الرغم من تمددها لحوالى أربعة أشهر إلا أنها ظلت لحظات بائسة للكثيرين، ولم تخرج عن الصورة التي أشرت إليها آنفا، ثم بعد ذلك يأتي من يلومهم على أنهم بدأوا عامهم الدراسي مترنحين وفي حالة نصف نائم وبنفوس مسدودة.

صحيح أننا سمعنا وقرأنا أن الجهات الرسمية والأهلية أعلنت عن برامج صيف لشبابنا، لكنها في حقيقتها برامج هدفها استجداء الفلاشات وذر الرماد في العيون وتسجيل حضور فقط، وشبابنا صارت تتخطفهم الشرور من كل ناحية ومن بينها شبح المخدرات، ولن يبعدهم عنها إلا احتضان حقيقي لهم، ودون ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة اسمها الضحك على الذقون.

الجهات الرسمية المعنية بالشباب مازالت غائبة إلا من حضور باهت، والمؤسسات الأهلية أدارت ظهرها لما يعرف بـ«المسؤولية الاجتماعية» التي تعد في دول الغرب والشرق من أوجب الواجبات، ولذلك ظل شبابنا تائهاً يتخبط لا يعرف أين يقضي إجازة الصيف.

هناك الكثيرون ممن بيدهم تمويل برامج جيدة لشبابنا، أولئك يقضون إجازاتهم في أرقى المنتجعات مع أسرهم، ولا نعترض على ذلك فلكل حرية اختيار مكان إجازته، ولكن الذي نطالبهم به أن يضعوا لشبابنا مشاريع حقيقية في كل صيف قبل أن يحزموا حقائبهم إلى منتجعات أوروبا.

نقول لأولئك افتحوا ملاعب ومكتبات ومراسم المدارس صيفاً، أعملوا ملاعب مزروعة للكرة بكل الأحياء، اصنعوا مسامرات ثقافية بقرب المساجد وبجوائز قيمة، فشبابنا تائه في معظمهم لا يدري أين يذهب.. ثم إذا وقعوا في المحظور وضعنا أصابعنا في عيونهم.