وصلتني قبل فترة من الزمن نسخة مهداة من كتاب «العيش في الكتابة.. دراسة في نقد عبدالله عبدالجبار» لمؤلفه الأستاذ حسين بافقيه.

وكنت من قبل أتابع نباهة وثقافة وطروحات بافقيه وتميزه عن جيله في مجالي النقد والأدب والبحث، فلما اطلعت على مؤلفه الجديد ازددت إعجاباً به وتأكدت أنني أمام شاب رسم لنفسه خطاً واضحاً وسار عليه فوصل!

وقد لاحظت أن بافقيه لا يستقر في أي موقع وظيفي يُعين فيه حتى عندما أصبح مديراً عاماً لإدارة الأندية الأدبية بوزارة الثقافة والإعلام، فقد غادر هذا المنصب بعد شهور قليلة من توليه إياه، وهذه من طبائع «الفنان» الأصيل بالمعنى الواسع للفن الذي لا يجد صاحبه نفسه في المساحات الضيقة في أي موقع، أما غير الفنان فإنه قد يلتصق بالكرسي حتى يقول له متى تقوم عني؟

أما الرجل الكبير الذي كان فكره وعطاؤه وحياته ومسيرته محل نقد ودراسة حسين بافقيه، الرجل الذي يكتفي طلابه بالإشارة إليه بلقب الأستاذ «منذ أن كانوا على مقاعد الدراسة وفي البعثات حتى ناهز بعضهم الثمانين من عمره وخاض غمار الحياة ولكنه لم يزل يرى بأن الأستاذ عبدالله عبدالجبار هو الأستاذ، فإن كتاب بافقيه رصد حياته وفكره وآلامه وآماله وأثره الحميد في مجالي التعليم والتربية والأدب والنقد على جيل كامل، ويمكن لمن يطلع على الكتاب إدراك مدى الجهد الذي بذله المؤلف ليقدم للمكتبة الوطنية والعربية هذا المؤلف الاستثنائي في مجال دراسة فكر جيل الأدباء والنقاد الرواد في هذه البلاد.

ولما عاد عبدالله عبدالجبار إلى وطنه بعد غربة اختيارية وقسرية أملتها ظروف الحياة عاش بين مكة المكرمة وجدة وكان يستقبل بعض محبيه في منزل شقيقته بحي الأمير فواز بجدة في يوم السبت من كل أسبوع، وقد حدثني أخي خالد الحسيني الذي حظي بالتعرف على جوانب إنسانية واجتماعية عامة من حياة عبدالجبار خلال زيارته في آخر عمره أي عبدالجبار وليس الحسيني! وذلك بصحبة الشاعر المجيد فاروق بنجر والأديب حسين الغريبي رحمه الله، فكان مما رواه الحسيني أن «الأستاذ» كان يعيش حياة بسيطة جداً وإذا جاءه ضيوف أرسل من يشتري لكل واحد منهم سندوتشين وعصيراً ويحيط من يزوره بالحفاوة والتقدير حتى لو كان في عمر أحفاده، لدرجة أنه يودع الزائرين فرداً فرداً إلى الباب الخارجي للفيلا على الرغم من تجاوزه الثمانين من عمره في تلك الفترة، وأنه كان قليل الحديث جيد الأصغاء ينطبق عليه قول الشاعر:

وتراه يصغي للحديث بقلبه

وجنــــانه ولعــــله أدرى بــــه

وكان يعيش على تقاعده البسيط الذي قد لا يصل إلى ثلاثة آلاف ريال شهرياً! وقد جاءته «عطية» سخية، فشكر للمعطي عطيته وكرمه، ولكنه لم يستخدم تلك العطية، إما لأنها جاءته في الوقت الضائع، وإما لأنه لا يريد لأحد يداً عليه، تغمده الله برحمته وواسع فضله، شاكراً للمؤلف هديته الطيبة!

mohammed.ahmad568@gmail.com