في خطوة غير مسبوقة، أتاحت وزارة التعليم الفرصة للجامعات وأعضاء هيئة التدريس والمهتمين بالتعليم العالي لقراءة مسودة «مشروع نظام الجامعات الجديد»، وتقديم المقترحات والملاحظات حوله قبل رفعه للمقام السامي. ومما لا شك فيه أن غالبية المشكلات التي تواجه الاقتصادات النامية -والمملكة ليست استثناءً- هي بسبب التعليم، والحل الناجع لهذه المشكلات مجتمعة هو التعليم، والتعليم النوعي على وجه الخصوص. ومن منطلق أن الأمم وتطورها لا يأتي بين يوم وليلة، بل هو نتاج عقود من الاستثمار المخطط والمدروس في الإنسان الذي هو جوهر التنمية وعمود سنامها، فليس هناك أفضل من الاستثمار في الإنسان وبناء رأس المال البشري من التعليم النوعي والبحث العلمي، وبناء الكوادرالعلمية الوطنية المدربة، وتشجيع ثقافة التنافس ليس بين جامعاتنا الوطنية فحسب، بل بين الكفاءات الوطنية التي تزخر بهم جامعاتنا ولله الحمد.

ولكي نضع نظام الجامعات المُقترح في سياقه التاريخي لنتمكن من تقييمه وتحديد مدى ملاءمته في وضع الحلول للصعوبات التي تواجه الجامعات السعودية وتمنع تطور التعليم النوعي والبحث العلمي فيجب أن نتوقف عند نظام الجامعات الحالي الذي صدر قبل نحو 25 عاماً.

كان الهدف من نظام التعليم العالي قديماً هو نشر التعليم الكمي وليس النوعي ولم يكن البحث العلمي أولوية للجامعات في ذلك الحين. أيضاً كان الهدف من نظام التعليم الحالي توحيد نظام الجامعات فيما يخص الرواتب والمزايا والمكافآت المالية الخاصة بأعضاء هيئة التدريس، وكذلك توحيد معايير ترقية أستاذة الجامعات. وهنا تكمن بذرة «الداء» التي من وجهة نظري تسببت في توقف تطور التعليم النوعي والبحث العلمي وجعلت الجامعات تنكفئ على نفسها وتتراجع عن لعب دورها المفترض في قيادة التطور في المجتمع وبناء تنميته الاجتماعية والاقتصادية المستدامة. العنصر الأساسي في البحث العلمي هم أساتذة الجامعات، الجامعات هي الحاضن الطبيعي لتطور التعليم النوعي والبحث العلمي ولكن هذا مع كل أسف لم يحدث؛ لذلك يجب تلافيه في نظام الجامعات المُقترح لكي ندفع جامعاتنا إلى مجالٍ أرحب من التنافس والإبداع، ليس بين الجامعات فحسب، بل بين أساتذة الجامعات، فالمنافسة هي سر التفوق والإبداع وإطلاق العنان للعقل البشري والطموح الذي لا حدود له.

المعرفة والخبرة التراكمية هما الأساس الذي تبني عليه الأمم تقدمها وتطورها وصناعة تنميتها المستدامة. فالإنسان هو محور هذين العنصرين: «الخبرة» «والمعرفة» التراكمية والإنسان هو الأساس في اكتساب المعرفة، وكذلك هو الأساس في تكوين الخبرة البشرية التي تتراكم عبر الزمن؛ إذ يتعلم من خبراته السابقة ويطور مهاراته ومعارفه ويصقلها بتجربته العملية، وكلما زادت خبرته في أي مجال من المجالات يصبح أكثر مهارة وإتقانا حتى يصل إلى مرتبة «خبير» في مجاله.

تشير التجارب والأبحاث العلمية إلى أن الإنسان يحتاج إلى 10 آلاف ساعة من العمل الدؤوب والمركز لكي يصبح خبيراً في مجاله ونفس الشيء ممكن يقال عن الشعوب.

الإنسان هو الأساس في تكوين المعرفة والخبرة التراكمية. في العالم المتقدم أدركوا هذه الحقيقة فركّزوا على بناء الإنسان وهيأوا له سُبل ووسائل النجاح. هذه هي الوصفة السحرية التي عجزنا عن إنتاجها لأسباب عدة سبق التطرق لها في مقال مطول نشر في صحيفة «عكاظ» بعنوان «نموذجنا الاقتصادي غير قابل للاستمرار»، فمن وجهة نظري هذا هو الخلل الذي يجب أن تركز عليه جهود إصلاح التعليم بشقيه التعليم العام والجامعي. لكي نكون أكثر دقة، إصلاح التعليم وحده لا يكفي، بل يجب إصلاح سوق العمل وترشيد الدعم الحكومي للقطاع الخاص بما يحقق إستراتيجية بناء الإنسان «السعودي» المؤهل بالمعرفة والتدريب النوعي وتمكينه من مفاصل الاقتصاد والقرار الوطني.

اليوم نحتاج إلى تعليم نوعي ونحتاج إلى جامعات تولي البحث العلمي أولوية وتساهم في قيادة عملية التطور في المجتمع ودفع المعرفة الإنسانية إلى أفق أبعد وأرحب وتساهم في تكوين المعرفة والخبرة التراكمية المجتمعية التي هي الأساس في تقدم الأمم وتطورها وبناء تنميتها المستدامة. أنا متفائل بنظام الجامعات المُقترح الذي يمثل خطوة في الطريق الصحيح، ولكن بعض المواد المُقترحة ربما تحتاج إلى إعادة نظر لتلافي تكرار أوجه قصور النظام الحالي. ملاحظاتي على النظام المقترح يمكن إجمالها في الوقفات التالية:

• الوقفة الأولى: المادة الثالثة من نظام الجامعات الجديد صنفت الجامعات إلى ثلاثة أنواع: جامعات بحثية وجامعات تعليمية وجامعات تقنية. الجامعات البحثية تركز على البحث العلمي والدراسات العليا، بينما تركز الجامعات التعليمية على التعليم في مرحلتي البكالوريوس والماجستير والجامعات التقنية تهتم بالتعليم التطبيقي في مرحلتي الدبلوم والبكالوريوس. هذا التصنيف ربما يحل حلقة من حلقات معوقات البحث العلمي في النظام الحالي، ولكنه قد يحول التعليم في جامعاتنا إلى ثلاث جزر متباعدة ليس بينهما حلقات وصل منطقية. ربما النظام الأمريكي، الذي يمكن تلخيصه في الفقرات التالية، هو الأقرب للواقع والأفضل والأكثر قدرة على خلق قوة عمل وطنية مؤهلة تأهيلاً متوازناً من الناحية الفكرية والعلمية والمهنية.

الجامعات الأمريكية تصنف إلى أربع فئات: جامعات فئة (أ) وجامعات فئة (ب) وجامعات فئة (ج) وجامعات فئة (د).

جامعات الفئة الأولى (أ) تصنف على أنها جامعات بحثية وهي قليلة العدد مقارنة بجامعات فئتي (ب) و(ج) وتكون معايير القبول فيها عالية بالنسبة للطلبة وأعضاء هيئة التدريس، ومتطلبات ترقية أعضاء هيئة التدريس فيها تعتمد إلى حد كبير على نوعية الأبحاث. في الغالب برامج الدكتوراه الجيدة تتركز في هذه الجامعات ولكن هذه الجامعات تقبل الطلبة المتفوقين في كل من برنامجي البكالوريوس والماجستير؛ إذ إن معظم قادة الشركات والمجتمع يتخرجون في هذه الجامعات. أما جامعات الفئة الثانية والثالثة، أي فئتي (ب) و(ج) فتصنف على أنها جامعات متوازنة، أي توازن بين التركيز على البحث العلمي والتدريس ومعظم الجامعات الأمريكية المعترف بها تقع في هاتين الفئتين والغالبية العظمى من القوة العاملة تتخرج في هذه الجامعات. أما الفئة الرابعة (د) فتعرف بأنها جامعات تدريسية؛ أي الجامعات التي تركز على التدريس أكثر من الأبحاث، وعادة تقتصر برامجها على مرحلة البكالوريوس فقط، ومعظم طلبتها من أصحاب المعدلات المُنخفضة، وجزء كبير منهم من خريجي دبلوم كليات خدمة المجتمع، وعادة يكونون من العاملين في الفترة الصباحية ويدرس معظمهم بنظام الدراسة الجزئي.

• الوقفة الثانية: المادة الرابعة من النظام المُقترح تنص على أن الجامعات تتمتع بشخصية معنوية مستقلة، وأن النظام يكفل للجامعات الاستقلال التام علمياً ومالياً وإدارياً. كذلك المادة السادسة من النظام تنص على أن إدارة شؤون الجامعة تتكون من: مجلسي الأمناء والجامعة ومدير ووكلاء الجامعة. اللبنة الأولى في إصلاح التعليم العالي هو استقلال الجامعات: مادياً وتنظيمياً ولعل هذه المادة تؤسس لهذا المبدأ، أي مبدأ الاستقلالية، ولكن هذا المبدأ يجب أن يُعزز بحيث يكفل النظام لمجلس أمناء الجامعة تحديد رؤيتها وسياساتها ومعاييرها الأكاديمية وفلسفتها في التعليم: نوعية الطلبة ونوعية أعضاء هيئة التدريس وتحديد مرتباتهم ومكافآتهم المالية ومعايير ترقياتهم وتقييم أبحاثهم. لتعزيز استقلال الجامعات يجب أن يقتصر دور مجلس شؤون الجامعات على وضع الإطار العام لسياسة التعليم العالي في المملكة ويترك ما عدا ذلك لمجلس أمناء الجامعة. هذا سيشجع التنافس بين الجامعات وبين أعضاء هيئة التدريس بما يخدم تطور التعليم النوعي والبحث العلمي وسيتلافى خلل النظام الحالي الذي تسبب في جمود الجامعات السعودية والانكفاء على نفسها وضعف إنتاجها العلمي.

كذلك من الأفضل أن يُترك أمر تعيين مديري الجامعات وعمداء الكليات إلى مجلس أمناء الجامعات، فمناصب مديري الجامعات وعمداء الكليات ليست مناصب سياسية، بل هي مناصب أكاديمية بحتة، ونجاح أصحاب هذه المناصب في عملهم يعني نجاح الجامعات، وبالتالي نجاح المجتمع ككل، والعكس فإذا فشلوا لا سمح الله، فسيطال الفشل الجامعات والمجتمع بأسره. المملكة ولله الحمد مليئة بالكفاءات الوطنية التي تتطلع للمساهمة في خدمة وطنها. ولكي تتمكن الجامعات من استقطاب أفضل الكفاءات الوطنية، فربما من الأنسب أن يعلن مجلس أمناء كل جامعة عن وظيفة مدير الجامعة ووظائف عمداء الكليات المختلفة وبعد ذلك يقوم المجلس بفرز المتقدمين ومقابلة الأكثر كفاءة واختيار من لديهم برامج واضحة وقدرة على تحقيق رؤية وأهداف الجامعة المُعدة مُسبقاً من قبل مجلس الأمناء. بهذا يكون المجلس حقق هدفين. الأول: إتاحة الفرصة للكفاءات الوطنية للتنافس في خدمة وطنها ومجتمعها. ثانياً: يكون لدى مدير الجامعة المعين والعمداء مهمة وبرنامج واضح تم اختيارهم على أساسه وسيتم تقييم عملهم بشكل دوري من قبل مجلس الأمناء على أساس هذه البرامج.

• الوقفة الثالثة: الفقرة الثانية من المادة التاسعة من نظام الجامعات المقترح تعطي مجلس شؤون الجامعات الحق في اقتراح تشكيل مجالس أمناء الجامعات. ربما من الأفضل إعطاء الجامعات ومجالس الأمناء المنتهية دورته الحق في رفع أسماء من يرون ترشيحهم لعضوية مجلس الأمناء في دورته القادمة وفقاً لمعايير محددة مسبقاً وفق نظام حوكمة خاص بكل جامعة، فالجامعات من وجهة نظري هي الأقدر على تحديد الخبرات والمؤهلات التي تحتاجها من أعضاء مجلس الأمناء الخاص بها.

لماذا توقف تطور البحث العلمي في الجامعات ؟

الفقرتان الخامسة والسادسة من المادة التاسعة من النظام المقترح تعطيان مجلس شؤون الجامعات الحق في اقتراح اللوائح وسلالم الرواتب المشتركة للجامعات، على التوالي. النظام الموحد الحالي للجامعات هو السبب الرئيسي في توقف تطور البحث العلمي والتعليم النوعي في الجامعات السعودية. فعندما تكون معايير ترقية أعضاء هيئة التدريس موحدة لجميع الجامعات فإن هذا يقضي على التنافس بين الجامعات، وكذلك عندما تكون سلالم الرواتب موحدة بين جميع أعضاء هيئة التدريس في الجامعة فإن هذا كفيل بالقضاء على التنافس بين أعضاء هيئة التدريس. فمعايير الترقيات يجب أن تترك لكل جامعة لتحددها بما يتناسب مع رؤيتها وأهدافها الإستراتيجية، فالجامعة التي تطمح أن تكون من أفضل 20 جامعة في العالم خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة القادمة يجب أن تكون معايير ومتطلبات البحوث والترقيات لأعضاء هيئة تدريسها مختلقة عن الجامعات التي تطمح أن تكون جامعات متوازنة، أي توازن بين التركيز على كل من البحث العلمي والتدريس. فالمكان الطبيعي لهذا النوع من الجامعات ليس من بين ما يعرف بجامعات النخبة (الجامعات البحثية)، ويجب أن تكون متطلبات البحث والترقيات فيها أقل من الجامعات البحثية.

المنافسة هي سر التفوق وهي حطبه وعموده الفقري، فالإنسان يعمل لينجح ويشار إليه بالبنان. قد يظن القارئ الكريم أن هذه أنانية، بينما هي فطرة الله التي فطر الناس عليها. الله عز وجل جعل المنافسة صفة من صفات الإنسان لكي يتنافس البشر في عمارة الأرض التي استخلفهم فيها. المنافسة هي سر تفوق العالم الغربي. الجامعات الغربية تعلم أن أثمن ما تملك هو أعضاء هيئة تدريسها؛ لذلك تسعى جاهدة لكي توفر لهم ما يمكن من وسائل وسُبل النجاح؛ لأن نجاح الجامعة هو نجاح أعضاء هيئة تدريسها. الحوافز المالية والاعتراف المعنوي بأهمية مساهمة أعضاء هيئة التدريس في تقدم التعليم النوعي والبحث العلمي من أهم محفزات النجاح ودفع أساتذة الجامعات للعطاء. لذلك تُركت مرتبات أعضاء هيئة التدريس في معظم الجامعات الغربية لقوى العرض والطلب. فعضو هيئة التدريس المنتج وخصوصا في البحث العلمي النوعي الذي يجد طريقة لأفضل المجالات العلمية المحكمة ترتفع أسهمه في سوق العمل وتتنافس الجامعات على استقطابه، وهذا يشجع ويدفع الآخرين على المنافسة والإنتاج والإبداع والمحصلة النهائية تقدم التعليم النوعي والبحث العلمي ونهوض المجتمعات وتطورها. لذلك من الأفضل ترك تحديد رواتب أعضاء هيئة التدريس ومكافآتهم ومزاياهم المالية لمجلس أمناء الجامعات وألا نكرر الأنظمة «الموحدة» التي عطلت تطور جامعاتنا وقضت على نمو التعليم النوعي والبحث العلمي.

تركيز المناهج وتقليلها ضمن المعايير العالمية

وزارة التعليم لديها من الأحمال ما تعجز عنه ثلاث وزارات، وليست وزارة واحدة، والتعليم العام يحتاج إلى إصلاح جذري يبدأ بتركيز المناهج وتقليل عددها تمشياً من المعايير العالمية في هذا المجال، وأعتقد أن الفرصة الآن مواتية لعمل هذا التغيير الذي طال انتظاره، ولكن الأهم الذي أريد التركيز عليه في الوقفة الأخيرة هو ضرورة استقلال التعليم العالي عن التعليم العام. في هذه المرحلة نحن في أمس الحاجة إلى التركيز على تطوير التعليم النوعي والبحث العلمي في جامعاتنا، ولهذا فإن التعليم العالي يحتاج مظلة مستقلة تهتم به وترسم أهدافه العريضة وتوفر الدعم للجامعات لكي تتمكن من أداء دورها الطبيعي في قيادة عملية التطور في المجتمع الذي تخلفت عنه لعقود.

قبل أسابيع عدة أسعدني وأسعد الكثير من السعوديين الإعلان عن مراجعة وتعديل بعض برامج التحول الوطني 2020، وهذا يعني أننا في مرحلة جديدة ليس فيها ثوابت دائمة ما عدا عقيدتنا الإسلامية وقيمنا الاجتماعية التي نفخر بها جميعاً. أي شيء آخر فإنه خاضع للمراجعة والتغيير متى ما تبين لصانع القرار أن هناك طريقة أفضل لتحقق الأهداف المنشودة. ومن هذا المنطلق نتمنى إعادة النظر في دمج وزارة التعليم العالي في وزارة التعليم العام بما يحقق المصلحة العليا ويساهم في تطور التعليم الجامعي والبحث العلمي في المملكة.

* أستاذ المحاسبة المشارك

رئيس قسم المحاسبة بكلية إدارة الأعمال - جامعة الفيصل - الرياض

wathnani@alfaisal.edu