من نكد الدنيا على علم التربية، أن كل أحد يرى نفسه يفقه في هذا العلم فيتحدث باسمه وكأنه أحد الأساطين فيه، لا يعتريه تردد ولا يشوبه شك في صواب ما يقول. وتبعا لذلك، كثر نقاد وزارة التعليم بعد أن صار المعيار المرجعي لقياس نجاحها أو فشلها، هو رأي المنتقد وفكره وتوجهاته الأيديولوجية وخلفيته الثقافية التي ينطلق منها، كما نتج عنه أيضا، تكاثر الذين يعدون أنفسهم خبراء في التربية لا يشق لهم غبار، بصرف النظر عن خلفيتهم العلمية، فبالنسبة لهم علم التربية علم بدهي، يستوحونه من خلال ما يدور في أذهانهم من فكر وما توارثوه من أساليب وقيم، فلا حاجة لهم إلى دراسة واستقصاء معرفي وأبحاث وتطبيقات علمية.

كمثال على هؤلاء الخبراء، ما كتبه أحدهم في صحيفة مكة قبل أيام، مهاجما تضمين كتاب (لغتي) الذي يدرس لطالبات الصف الثاني الابتدائي، أبياتا تتضمن مشاعر (الحب) نحو الصديق والجار، تقول الأبيات: (وكم أحب صاحبي، يظل دوما جانبي، نبقى معا في حبنا في البيت والملاعب، وصاحبي يحبني، أزوره ويزورني).

أما سبب الهجوم، فلأن الناقد الكريم لم ير في الأبيات سوى أنها تحرض طفلة السابعة، على أن يكون لها صديق تحبه وتتبادل معه الزيارة، وفي ذلك ما فيه من هدم للقيم والأخلاق، والتشجيع على الفساد، إلخ منظومة العبارات التي تتدفق عادة على ألسنة أمثاله من النقاد، الذين لا يرون أبعد مما يدور في أذهانهم من الخيالات السوداء.

الأبيات جميلة وخفيفة ومناسبة لسن الأطفال في المرحلة الأولية من التعليم، كما أنها تفيض بقيم التقبل والمحبة بين الأصحاب والجيران، وهي صالحة للبنات والأولاد حتى وإن جاءت بصيغة المذكر، فالخطاب في اللغة العربية عندما يشترك فيه الجنسان، يكون بصيغة المذكر، أما متى أنث الخطاب فإنه يكون خاصا بالإناث وحدهن فقط.

إضافة إلى أن (الصاحب) قد يكون أنثى وقد يكون ذكرا، وكذلك (الجار)، وحين يردد الصغار (وكم أحب صاحبي)، فإن ما يرسخ في أذهانهم من ذلك هو محبة الشخص الذي يصاحبونه والجار الذي يلعبون معه، دون تركيز منهم على نوعه.

لو أردنا أن نأخذ بما ذهب إليه هذا الناقد من شطط في القول، فإننا لن ندرس للبنات بعض أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كالحديث الذي ورد في صحيح البخاري، أن عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابا».

فعلى مبدأ الأخ الخبير، تدريس مثل هذا الحديث يشجع الفتيات على إقامة علاقة مع جيرانهم وتقديم الهدايا لهم، لأنه يتضمن (جارين) وليس (جارتين)!

إذا كنا سنسقط ما يدور في رؤوسنا من أفكار مريضة على النص الذي نقرؤه، فإن بإمكاننا قياسا على ما سبق أن نقول: إن تلك الأبيات ليست مناسبة حتى للذكور، فهي تتغنى (بحب الصاحب)، وفي هذا تشجيع للصغار على أن يكون لهم صاحب يحبونه ويذهبون معه إلى الملاعب ويزورونه في البيت، وهو ما يخشى معه وقوع الصغار في علاقات (مثلية) فيما بينهم.

هكذا، يكون تناسل الأفكار المريضة، ومتى وجدت أذنا صاغية، فإنها لا تتوقف عند حد.

حين كنا صغارا، كنا ندرس نصوصا أدبية جميلة تضمنتها كتبنا المدرسية، ولكن لما جاءت الصحوة، لم تر في تلك النصوص سوى ما كان يوحيه لها فكرها المريض بالوسواس، وذوقها السقيم في التذوق الأدبي، فحذفت من الكتب الدراسية جميع تلك النصوص رغم ما كانت تتسم به من جمال الإبداع الفني، وجاءت بالبديل نصوصا ثقيلة وسقيمة، كل ما يميزها أنها كانت تمثل ما يرضي الفكر الأيديولوجي المتشدد.

فكانت النتيجة أن التعليم ظل طيلة تلك العقود الصحوية، (بسبب المحتوى الرديء لكتب الأدب والقراءة)، ينتج أجيالا لا تعرف جمال التذوق الأدبي والفني، فكان أن انعكس ذلك سلبا على سلوك وطريقة تفكير كثير من الناس.