كان الناس في الحارة إذا لاحظوا أن شخصاً ما يأكل بشهية مفتوحة كمية كبيرة من الطعام في المناسبات أو «الخرجات» والمقصود بها الخروج إلى خارج المدن لقضاء وقت بعيداً عن روتين الغرف والعمران، ثم وجدوا أن ذلك الشخص «الأكول» لا يزيد وزنه بمقدار يتناسب مع ما يأكله من «مُقمَّر ومُحمَّر»، فإنهم يفسرون حالته بأن لديه «أبو عرص»، وهم يعنون بذلك وجود شيء يشارك الأكول في أكله فلا تظهر عليه علامات السمنة!

ولما درسنا مبادئ العلوم، ومنها علم الأحياء، علمنا بوجود ثعابين تسكن أمعاء بعض المرضى تشاركهم في غذائهم وتسمى «الاسكارس»، فتساءلنا عما إذا كان الشعب يقصد بأبي عرص ثعابين البطن، أم أن عبارتهم تقصد شيئاً آخر لا علاقة له بذلك المرض الذي يصيب الجهاز الهضمي عند الإنسان وربما الحيوان.

وكان في الطائف طبيب مصري جاء للعمل في إحدى مستشفياتها قبل نصف قرن، فسمع من أحد العاملين في المستشفى أن لديه أخاً قادراً على التهام «تيس صغير» الوزن الصافي للحمه ستة كيلو غرامات، وذلك في جلسة واحدة، فطلب من الموظف المجيء بأخيه فجاء به فوجده نحيلاً لا يزيد وزنه على 60 كيلو غراما، فأخذ «الدختور» يقيس بطنه ومعدته، ثم تحدى أن يستطيع ذلك الشاب التهام كيلو غرام واحد وليس تيساً كاملاً، فقيل له هات التيس على حسابك وسترى العجب العجاب، ولما فعل ما طلب منه ووضع اللحم أمام الشاب أخذ يلتهمه قطعة قطعة حتى أتى على آخره ثم شرب قليلاً من المرق، وعندها قال الطبيب مفسراً خسارته للرهان: هذا بطنه مثل الفرن تهضم اللحم أولاً بأول، فكان جواب الحاضرين قولهم: لا بل إن معه «أبو عُرص»!

ومع تطور الحياة المادية وتوسع الذمم المالية وظهور فئات من المرتشين والمختلسين والآكلين للحقين العام والخاص أصبح المجتمع يصف الذين «يأكلون ولا يشبعون» من المال الحرام بأنهم ربما يمثلون من نسخة مطورة من «أبي عرص»، لأن ارتشاءهم واختلاسهم يحول الواحد منهم إلى شخص ذي مكانة، مع أنه في حقيقة الأمر مجرد لص يطلب «النُّص» ويأكل «الفِص» ويتخفي عند وجود مخاطر لأنه يجيد «الغوص»!