علي الرباعي (الباحة)
استوقف الناقد محمد الحرز، في أحدث إصداراته «ما لم تقله المخيلة وتستنطقه اللغة»، اللغويين بنقده لمنهجية تدريس طلاب ما قبل الجامعة للأدب، إذ يرى أن طلاب المرحلة الثانوية يتلقون تعليما عن الأدب وفنونه بوصفه جملة من المفاهيم لا تتفتح على الحياة اليومية التي تربي المخيلة لديهم بالقدر الذي تنفتح فيه على ماضي الأدب وتراثه.

وأوضح أنهم يتلقون مفهوما عن الشعر والقص والسرد، يعزز انتماءهم بالهويات الفئوية، إلا أنه لا يعزز فردانيتهم وحريتهم الذاتية، ويتلقون ما ينسجم مع السلطة المزدوجة (سلطة النوع الأدبي من جهة، والنظام التعليمي من جهة أخرى)، ما يعزز الفجوة التي يعبرها الطلاب من المرحلة الثانوية إلى الجامعية من تلقين مدروس إلى انفراج نسبي، ومن تفكير جمعي إلى محاولة في التفكير الفردي، ما انعكس على تكاثر الدراسات الأدبية حتى غدت الأكثر استحواذا على مناهج العلوم الإنسانية الحديثة في مجمل تطبيقاتها على النصوص الإبداعية، إضافة إلى قوة التباين في مركزية النصوص وأهميتها بالنسبة لسلم القيم الثقافية التي تشكل عماد الهوية المركبة للمجتمع السعودي، كون النص الديني، ونص المجتمع على سبيل المثال يشكلان قمة السلم بينما يتم التساهل في ما يتعلق بالنص الأدبي باعتباره نصا فائضا عن الحاجة، ودائما ما يكون مطواعا ومهيأ للتوظيف، لتغييب التفكير الفلسفي.

ويقسم الحرز المستوى القرائي في المملكة إلى قسمين؛ أحدهما يخص النظام التعليمي بمؤسساته المختلفة، وآخر للمجتمع بمختلف تقاليده وعاداته.

وعن الحب في الرواية السعودية يرى أنه لا يحضر الحب في أفعال وأقوال الشخصيات إلا ليعبر عن شيء آخر، ليقول ما تريد أن تقوله الرواية بطريقة أخرى، كون القضية تتمثل في كيف نبتكر الحب في الرواية وثقافتنا تفتقر إلى تجربته؟، مشيرا إلى أنه لا توجد ذاكرة مكانية للحب، ما دفع الروائيين إلى الاستعانة بذاكرة الأفلام باعتبارها البديل وإحدى التقنيات المستعارة. مستعيدا «عزيزة» في رواية «غراميات شارع الأعشى» لبدرية البشر، وروايات محمد حسن علوان، وليلى الجهني.

الحرز جمع في الكتاب الصادر عن دار فراديس البحرينية اشتغالات عميقة على أثر المخيلة في الكتابة الإبداعية، وتجليات المناهج النقدية وتطبيقاتها على الأعمال الروائية، مستعيداً وظيفة الحكي من خلال رواية «الموت يمر من هنا» لعبده خال، وبناء المتخيل السردي في رواية «أقدار البلدة الطيبة» لعبدالله الوصالي، ومتفاعلا مع الجدل حول المقاربات الشعرية الحديثة، وباعث رسالة إلى شاعر شاب موهوب، متناولا تجربة زهرة بوعلي في تحولات الجسد من الوجوه إلى الاشتباك بالحياة، وأصوات شعرية تخيط ثوب حياتها بإبرة الشعر اللامعة عبر شاعرية نصوص عبدالله العثمان، بما تجمعه من رشاقة في المخيلة وخفة في المعنى، وشعرية لا ترمي سوى جمرها في نصوص هيفاء العيد.

ويطرح الحرز سؤالا: لماذا نقرأ الأدب؟، ويراه سؤالاً قديما يتجدد، وشرط تجدده، أسبابه تنحصر في المتعة التي يتركها الأدب على قارئه، فمن يتصفح منكم أغلب الموسوعات الأدبية يلاحظ في تعريفاتها، إذ أضاف المؤرخون والنقاد أسبابا أخرى تختلف طبيعتها باختلاف تصوراتهم عن الأدب نفسه، وكذلك باختلاف طبيعة الثقافات المرجعية التي ينتمي إليه كل مؤرخ أو ناقد أو مبدع، فالتصور عن الأدب في السياق الثقافي التاريخي الإسلامي يختلف عنه. بالتأكيد في السياق الثقافي التاريخي الغربي، ولن تقصر أيدينا عن الأدلة.

ويؤكد أن في الثقافة المعاصرة ما يشبه الإجماع على وحدة التصور للأدب عند أكثر المتابعين والمحللين، تحت مصطلح ما يسمى بالأدب العالمي، ومنها وحدة العيش المشترك بين البشر هي إحدى الروافع الكبرى التي تنهض عليها تصوراتنا الحالية للأدب، وهذا يعني في ما يعنيه، إنتاج قيم مشتركة توحد التجربة الإنسانية، وتتيح للإنسان فرصة المقاومة ضد كل أشكال العزل والتسلط والكراهية والإلغاء والقبح في العالم، فمحاولة فهم الحياة والعالم والطبيعة على أساس سبر أغوار عوالم الحب والموت والوجود والقلق والمرض والعقل والمخيلة هي من الوظائف الكبرى التي تختص بالأدب والأدب فقط.

ولفت الحرز إلى أن الأدب الجيد والعميق هو ما ظل يقاوم بقوة كل أشكال التسليع،

متناولا قضايا ومواضيع منها، ديوان اختبار الحاسة أو مجمل السرد: طقوس الحضور، والغياب أمام الشعر، وقصيدة عنترة: شاعرية تهتك حجب القيود بقدر ما تحتجب، وسميح القاسم: شاعر المقاومة الفلسطينية، وخزانة الشعر السنسكريتي: إضافة مهمة للمكتبة الإبداعية العربية، وتجربتي في القراءة: الثمار حين تسقط على الظلال فقط، وباريس عندما تصدم مخيلتك كشاحنة، وجمال الغيطاني والرؤية الاختزالية للرواية السعودية، والوسائط في الفن والأدب، وحضور الثقافة وأشكال تلقيها، وطبيعة العلاقة بين المثقفين ورجال الأعمال، التلاعب الثقافي.. فن إخضاع العقول، والنص المؤسس صدام المرجعيات، والنقد الثقافي وتحليل الثقافة.