الإنسان في كافة مراحل حياته هو ابن مجتمعه وعنوانه في الحقوق والواجبات، وقد شرّعها ديننا الإسلامي الحنيف بميزان عدل ورحمة، وتكفلها الأنظمة والقوانين، وترعاها الدولة، وتغرسها الأسرة والمؤسسات التربوية، وكلما تكاملت هذه الحلقات كلما تماسك المجتمع وتعافى أولا بالتراحم والتعاون.

في غمرة الحياة ومشاغلها يجد كبار السن أنفسهم أكثر حاجة إلى الرعاية بعد أن بذلوا العمر والصحة في أداء رسالتهم، وبقدر تعبهم في الحياة وكدهم لأسرهم وتنمية مجتمعهم، بقدر ما تتجلى حقوق هذه الشريحة على الأبناء والمجتمع والدولة، والمعنى الأهم لكل ذلك هو الوفاء، وما أعظمها قيمة وفضيلة إذا سقيناها بماء المكرمات من البر والتوقير عرفانا بما قدموا وبذلوا.

في المقابل هناك العكس والنقيض من البعض جحودا ونكرانا، والدليل حالات ومظاهر مؤسفة من الانشغال عن آباء وأمهات وأجداد وجدات، أو عقوق بسلوكيات عاصية فظة من القسوة وانعدام الرحمة وعدم التأدب، ولا مجال هنا لشرح أسباب ومظاهر تحتاج إلى تشريح من المهتمين والمتخصصين.

نقدر لمجلس الشورى أن أقرّ أخيرا مشروع نظام حقوق كبار السن ورعايتهم، ويهدف إلى تعزيز مكانتهم ورفاههم والحفاظ على أمنهم وسلامتهم وحماية حقوقهم والمحافظة عليها، وضمان رعاية أسرية ومجتمعية تليق بهم، ويضمّ 21 مادة شددت على حق المسن في العيش مع أسرته التي تقوم على حمايته ورعايته وإشباع احتياجاته والمحافظة على صحته الجسدية والنفسية والاجتماعية. بينما يسند لوزارة الشؤون الاجتماعية رعاية كبير السن الذي لا توجد له أسرة في دار للرعاية، كما ينص على حق الأولوية لكبير السن في الحصول على الخدمات الاجتماعية والصحية الأساسية التي تقدمها الجهات الحكومية، بما فيها خدمات التأهيل والترويح. وحدد النظام عقوبات زاجرة بحق مسيئي الإعالة أو المعتدين على كبار السن وعلى أموالهم.

لكن هل انتهى الأمر عند هذا الحد بتنظيم هذه الحقوق وتحديد العقوبات لمن يعتدي عليها بأي شكل؟ أم هناك الدور الموازي والأعمق أسريا ومجتمعيا لتكريس ثقافة رعاية حقوق كبار السن حتى لاتكون حبرا على ورق دون بصمة ولا صدى في حياة الأجيال، وهي في الأساس فضيلة دينية وقيمة إنسانية تعلو بها سمات المجتمع المتحاب المترابط، وهل هناك أعظم من الأمر الإلهي والتوجيه النبوي الكريم. قال صلى الله عليه وسلم (من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا).

نعم مجتمعنا ولله الحمد بخير، لكنه مثل كافة المجتمعات، فيه تناقضات بشرية قد يشعر بها في حدود ضيقة تحت ضغوط الانشغال بالحياة، وبعد الأنظمة الجديدة سيصطدم أصحاب النفوس القاسية بعقوبات إذا أعمتهم الدنيا والأنانية بالإيذاء والجحود، وهؤلاء غافلون عن الدين والدنيا معا، فكما تدين تدان في الدنيا والآخرة، ورضا الوالدين ببرهما وحسن رعايتهما والدعاء لهما مهما انشغل الإنسان بحطام الدنيا، إنما هو من أسباب رضا الله ودخول الجنة. ويبقى في ذلك أن حقوق المسنين في الحياة العامة كثيرة وتحتاج إلى خدمات ملموسة وتوفير بيئة محفزة للتفاعل مع المجتمع أبسطها بيئة مناسبة للتريض بالمشي والرعاية الصحية التي للأسف باتت رقما قاسيا في حسابات شركات التأمين.

إذا كانت الطفولة زينة الحياة، والشباب عماد قاطرتها، فإن كبار السن روح حكمتها الاجتماعية وبركة رباطها الأسري وعنوان جميل القيم والعادات والتقاليد، فأعينوا على رعايتهم بالوفاء والرعاية أكثر وأكثر حتى تنحصر مظاهر النكران، فلا يصح أن يتشوه مجتمعنا بنكران وسلوك دفان.