نعيم تميم الحكيم (جدة)
ثمة تساؤلات تطرح حول كيفية وآلية العمل في المؤسات الثقافية الرسمية التي تشمل (16) ناديا أدبيا، و(16) جمعية للثقافة والفنون تنتشر في جميع مناطق المملكة، في ظل تعالي أصوات تستفهم عن آلية العمل فيها. فالرؤية السائدة مع ضعف أنشطتها من جهة غياب العمل التطوعي عنها، ما حولها لمنابر للباحثين عن الشهرة والظهور والمال، مستندين إلى أن تميز المؤسسات الثقافية لا يتكمل إلا بوجود المبدعين والموهوبين والمميزين، الذي يأتون لها رغبة في ممارسة هوايتهم وخدمة الحراك الثقافي دون البحث عن مقابل ونحوه. بيد أن سيطرة فئة تبحث في الغالب عن الظهور والمال على مقاعد إدارتها، تسببت في إقصاء كثير من المبدعين الموهوبين عن تصدر مشهدها، ما انعكس سلبا على حراكها وأنشطتها. في وقت انبرى القائمون على هذه المؤسسات الثقافية للدفاع عن أنفسهم، مقدمين الدلائل والشواهد على أن هدفهم الرئيسي خدمة الثقافة، وليس الظهور والمال، مشددين في الوقت نفسه على أن معظم أعمالهم قائمة على التطوع. وما بين الفئتين يبقى السؤال مشرعا ما مقدار حضور العمل التطوعي في مؤسساتنا الثقافية؟، وهل هذه الثقافة منتشرة في الأساس، وإن كانت موجودة من غيبها؟ خصوصا في ظل رؤية (2030) التي تولي ثقافة التطوع أهمية بارزة وتضع إشاعتها مجمتعيا في أولوياتها. «عكاظ» فتحت ملف القضية، وناقشت أركانها من مثقفين، ورؤساء وأعضاء أندية أدبية وجمعيات الثقافة والفنون، وأعضاء شورى، دون أن نتجاهل وزارة الثقافة والإعلام، وخرجنا بالإجابات التالية:

مدخل تاريخي

يوضح الباحث والكاتب حسين بافقيه أن الأعمال المجتمعية سواء العمل الثقافي أو الأعمال الخيرية إنما هي هبة من هبات المجتمع الأهلي أو المجتمع المدني.

واستشهد ببناء المدارس والجامعات بجهود مجتمعية فردية أقرب للتطوعية كالمدرسة الصولتية والفلاح بمكة المكرمة، وجامعة جدة التي أنشئت بجهود أهلية.

وواصل بافقيه تأصيله التاريخي للقضية بالإشارة إلى أن أولى مجلتين ثقافيتين رائدتين أسستا بجهود فردية ويقصد بهما مجلة المنهل للأديب عبدالقدوس الأنصاري، ومجلة العرب للمؤرخ والأديب الراحل حمد الجاسر.

وكشف بافقيه عن أن نواة إنشاء الهلال الأحمر السعودي كان جمعية الإسعاف الخيري بمكة المكرمة، والتي استفاد منها المثقفون المتطوعون فيما بعد من خلال استخدام قاعتها في المحاضرات والأمسيات.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الحفل العربي للشباب السعودي الذي أسسه الرائد الراحل عبدالقدوس الأنصاري قبل أكثر من (80) عاما كان بجهود فردية أهلية، وفق حديث بافقيه، مشيرا إلى أن هناك تنافسا قويا ومحموما بين المثقفين في مدن مكة وجدة والمدينة المنورة على الأعمال التطوعية الثقافية في ذلك الوقت.

وشدد بافقيه على أن هذه الأشكال الأصيلة التي جاءت نواة لأعمال تطوعية أهلية كانت نواة لتأسيس المؤسسات الثقافية الرسمية بعد بناء الدولة المدنية الحديثة.

ويرى بافقيه أنه مع اكتشاف البترول وتوسع الدخل، قلت الأعمال التطوعية المجتعية، فكلما ضاق الحال ازدادت، واصفا العلاقة بالعكسية، لتأتي المؤسسات الحكومية لتحل مكان هذه المؤسسات الأهلية التطوعية.

ويؤكد بافقيه أن الأندية الأدبية أنشئت على نحو هجين ما بين المدني والحكومي، ولا تعرف هويتها حتى الآن، مبينا أن الأديبين الراحلين محمد بن حسن عواد وعزيز ضياء رحمهما الله، قد تقدما بطلب تأسيس الأندية عام (1395) هجرية، فأُعطيا الإذن.

وأفاد أن الأصل في أعمال الأندية الأدبية التطوع، مستشهدا بعودته لسجلات نادي جدة الأدبي القديمة إبان تأسيسه، ليكتشف أنه لا توجد ميزانية للعاملين، ولا يقبل عليه إلا من كان لديه الرغبة في خدمة وتطوير العمل الثقافي.

واستدرك بافقيه: «لكن العمل اختلف، فالرئيس والنائب والمدير الإداري يمنحون مكافآت، وأعضاء مجالس الإدارات يتقاضون على الاجتماعات».

وطرح بافقيه تساؤلا: «هل لو تحول عمل الأندية الأدبية إلى عمل تطوعي ستشهد إقبالا مثلما يتم الآن؟»، متمنيا أن يكون العمل التطوعي سمة من سمات المؤسسات الثقافية.

وأشار إلى أن العمل التطوعي أرقى بكثير من الحصول على مكافأة مالية، مبينا أنه لا يتقدم إلا من يريد العطاء والعمل الإبداعي والثقافي.

تعزيز الثقافة

رؤية الأديبة والكاتبة الصحفية حليمة مظفر توافقت مع بافقيه، إذ تؤكد أن ثقافة العمل التطوعي تعتبر من أساسيات المجتمع المدني والحضارة الأخلاقية التي يستشعرها الفرد حين يكون مهتما بتعزيز مبدأ التعاون من دون الحصول على مقابل، فيتطوع للقيام بأعمال من قبيل المسؤولية الاجتماعية وتقديم خدمات اجتماعية من تلقاء نفسه على مختلف المجالات، ومنها المجال الثقافي.

وأضافت: «مع الأسف لا يزال المجتمع الثقافي أو المثقفون لدينا غير مهتمين بهذه الثقافة الحضارية كفعل ممارس وإنما مجرد تنظير؛ إذ كثيرون ممن يعملون اليوم في الأندية الثقافية مثلا يعملون مقابل مكافآت وليس كعمل تطوعي، مع العلم أن هذه المؤسسات تحتاج إلى ميزانيتها لأجل تكثيف الأنشطة الثقافية وأكثر هذه الميزانيات تُصرف على مكافآت أعضاء مجالس الإدارة واجتماعاتهم!».

ورأت مظفر أنه إذا ما تم إلغاء هذه المكافآت وجعل العمل في الأندية الأدبية كعمل تطوعي، فلن تجد نصف الذين يتهافتون اليوم على هذه الانتخابات ليحصدوا مقعدا بمجالس الإدارة.

وتؤكد أننا بحاجة ماسة لتعزيز ثقافة التطوع على مستوى المؤسسات الثقافية، مبينا أن هذه الثقافة تنتشر لدى الشباب الذين لديهم اهتمامات ثقافية.

واستدلت على المتطوعين في معارض الكتب التي يتم تنظيمها من قبل الوزارة في مدينة الرياض ومدينة جدة ولهم وجود مؤثر ومثرٍ على المستوى التنظيمي والتفاعل أيضا.

وتمنت مظفر أن تستفيد المؤسسات الثقافية كالأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون من طاقة الشباب ورغبتهم في التطوع وتعزيزه وتوجيهه بما يتناسب معهم ومع طاقاتهم وقدراتهم.

وشددت على أن تطوعهم يحقق لهم الاستفادة على المستوى الشخصي باكتساب الخبرة وقضاء وقت الفراغ فيما يقدم خدمات ثقافية اجتماعية تساهم في تعزيز مكون مهم هو العمل التطوعي كقيمة من قيم الحضارة الأخلاقية.

نقص في المتطوعين

فيما يرجع الكاتب والباحث سعد القويعي ضعف العمل التطوعي في المؤسسات الثقافية إلى نقص في أعداد المتطوعين، وعزوف شديد عن المشاركة في الأنشطة الثقافية، وانخفاض في عدد المنتسبين إليها.

وشدد على أن الوسط الثقافي يبقى هو الأبعد عن أي جهد مثمر يصب في مصلحة الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون.

ويرى القويعي أن الوعي بمسألة العمل التطوعي -مؤسسياً وجماعياً- داخل الحياة الثقافية قضية في غاية الأهمية، ولذا فعندما تكون المبادرة بالمجهود المؤسسي، والعمل الفردي بفرق تطوعية، للمساعدة، والمساندة، فإن التطوع سيرتبط -حينئذ- بالإطار الثقافي للمجتمع، وبمدى رسوخ ثقافة التطوع في بناء المجتمع، وتكوين هويته الثقافية، وتوعية أفراده بالمخاطر والتحديات.

وضرب القويعي أمثلة لدعم العمل التطوعي عبر مؤسسات المجتمع المدني منها دعم القراءة، وإحياء الأمسيات الأدبية، والدعوة لنشر الكتب وتبادلها، ودعم المؤلفين والشعراء معنوياً؛ لممارسة نشاطهم الإبداعي، وتحقق تبادل الخبرات الفنية والمعرفية بينهم؛ من أجل دعم النهوض الثقافي، وهي ميادين يجب أن تحظى دوماً بالرعاية لما لها من أثر فعال في تطوير ثقافة المجتمع ورفع ذوقه.

واشترط القويعي حتى لا يتقلص عدد المبدعين، وينحسر دور المثقفين، ويمضي الوقت في غير مصلحتنا، وجود جهود حثيثة مدروسة بعناية يبذلها أصحاب الأدب والثقافة، والحرص على التسابق والتنافس في مجالات التطوع ووضع الإستراتيجيات وخطط العمل المناسبة على أساس مبدأ المشاركة والتشاور وذلك وفق آليات عمل مؤسسي.

شوري يطالب بسؤال القائمين عليها.. ورؤساء الأندية والجمعيات يدافعون:

أجورنا رمزية.. وأعمالنا تطوعية


فيما نفى عضو لجنة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار بمجلس الشورى الدكتور أحمد الزيلعي معرفته بمدى انتشار العمل التطوعي من عدمه في المؤسسات الثقافية، مطالبا بتوجيه السؤال للقائمين عليها. برأ عدد من رؤساء وأعضاء الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة أنفسهم من اتهامهم بأنهم باحثون عن المال والشهرة. وجاءت إجاباتهم مرفقة بدلائل على ذلك، إذ يؤكد رئيس نادي الحدود الشمالية الأدبي ماجد المطلق أنهم يصرفون في بعض الأحيان على الأنشطة من جيوبهم الخاصة.

ويستدل على ذلك بإقامة مناشط اليوم الوطني أخيرا على حسابهم الشخصي بعد انتهاء فترة التمديد لهم في الأندية والعمل كمتطوعين، حتى تبت الوزارة في أمرهم، مشددا على أن عملهم يعتمد بشكل كبير على الجانب التطوعي، وإن وجدت أجور فهي رمزية قياسا بالجهد المبذول. ويتفق رئيس نادي الأحساء الأدبي الدكتور ظافر الشهري مع حديث المطلق، مشيرا إلى أنهم نظموا ملتقى ثقافيا وطنيا بشكل تطوعي، مشددا على أن غالبية من يأتون للأندية الأدبية يأتون رغبة في خدمة العمل الثقافي وليس بحثا عن المال أو الشهرة. إلا أن نائب رئيس نادي مكة الأدبي الدكتور ناصر السعيدي يؤكد وجود شريحة تأتي طلبا للمال والشهرة وإن كانت قليلة، داعيا لضرورة أن يتحول العمل في المؤسسات الثقافية إلى عمل تطوعي على غرار المؤسسات الخيرية، مؤكدا أنه لو تحولت الأندية لهذا الشكل فإنه لن يبقى فيها سوى المبدعين الحقيقيين العاشقين لهذا المجال ممن لديهم انتماء للثقافة بعيدا عن الماديات وطلب الشهرة. ويؤكد رؤساء جميعات الثقافة والفنون على أن الجمعيات تقوم بالأساس على الأعمال التطوعية، وميزانياتها تصرف بالأساس على الأنشطة. واستشهدوا بالزائرين للجميعات والأعضاء الذين يأتون لممارسة هواياتهم وإبرازها وتفريغ مالديهم من مهارات، مشددين على أن أعضاء الجمعيات شغوفون بأعمالهم وغير باحثين عن الشهرة أو المال. وساق مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة عمر الجاسر مثالا جليا يؤكد أنهم يهتمون بالجانب التطوعي البحت، من خلال رسم جداريتين لمدرسة دار الأيتام بجدة شارك فيها أكثر من (50) فنانا متطوعا على مدى أسبوعين، إذ يعمل كل واحد منهم خمس ساعات يوميا. وشدد الجاسر على أن معظم من يعملون في الجمعيات متطوعون ولديهم أعمال أخرى، لافتا إلى أن جميعة جدة مثلاً في الوقت الحالي لا تحصل على ميزانية وتقوم أعمالها فقط على الجانب التطوعي.

ويُرجع مدير جمعية الثقافة والفنون بمنطقة القصيم عبدالله الزيد ضعف الأعمال التطوعية في المؤسسات الثقافية لقولبته بربطه فقط بالعمل الإغاثي والخيري فترة طويلة من الزمن، بسبب سيطرة الخطاب الديني، كما يشير. بيد أن الزيد يرى أن هناك انفتاحا كبيرا على العمل التطوعي في الآونة الأخيرة على مستوى الثقافة والفنون، مشيدا بهذا التحول الذي يخدم المتطوعين في جوانب بناء العقل والشخصية واكتساب الخبرات، وهي أحد أركان الرؤية. ويصف الزيد العمل في الجمعيات بأنه عمل تطوعي، لأن الأجر رمزي وزهيد، إذا ما قورن بما يتقاضاه القائمون على البرامج السياحية والمهرجانات الترفيهية.

المشرف على الشؤون الثقافية في الوزارة: لوائحنا تشجع على التطوع

بحثا عن حقيقة ما في لوائح المؤسسات الثقافية الرسمية المعدة من قبل وزارة الثقافة والإعلام، توجهنا بالسؤال للمشرف العام على الشؤون الثقافية بالوزارة الدكتور عبدالرحمن العاصم، الذي أكد أن اللوائح تفسح المجال للأعمال التطوعية وتشجع عليها.

وأوضح العاصم أن الأجور وإن وجدت فهي لأناس معينين، تشمل الرئيس والنائب والمدير الإداري في الأندية الأدبية، إضافة إلى تقاضي أعضاء مجلس الإدارة (500) ريال، وهي أجور رمزية لا تعكس الجهد المبذول، فيما معظم أنشطة النادي قائمة على التطوع. وأفصح العاصم بأن اللائحة الجديد للأندية الأدبية -مثلا- لم يطرأ عليها أي تعديل فيما يتعلق بالبنود المالية التي يتقاضاها الرئيس والنائب والمدير الإداري وأعضاء المجلس، لأنها رمزية.