ياسين أحمد (لندن)
أبدى خبراء سياسيون وأكاديميون بريطانيون اندهاشهم بتحليل عميق ومحيط لمسائل الشأن السعودي، قدمه الباحث والمحلل السياسي السعودي محمد خالد اليحيا، في ندوة حاشدة أقامها معهد القوات المسلحة في لندن أخيراً، بعنوان: «السعودية في الطريق إلى الإصلاح». واختار منظمو الندوة أن تكون على هيئة سؤال وجواب، من الحضور واليحيا. وأدارها باقتدار خبير شؤون الشرق الأوسط بالمعهد مايكل ستيفنز، الذي قدم اليحيا باعتباره شخصاً من السعودية، ولا يعرف السعودية أحد غير بنيها، «ولذلك فإن مصداقية ما سيقوله عنها كبيرة، وتتيح له معرفته ببلاده أن يعلِّق على شؤونها بتمكّن».

وبالطبع، فقد استُهلت الندوة -التي حضرتها «عكاظ»- بتساؤلات من الجمهور عن «الدمغة» الجاهزة في الغرب لوصف السعودية: الوهابية، ومزاعم أن «إسلام السعودية» يمنعها من «التحديث» و«التقدم».

وفوجئ الحضور بتحليل لم يعهدوه، من جانب اليحيا، في مواجهة «حدوتة» الوهابية، والدين في المجتمع السعودي. فقد قال: إن السلفية التقليدية ليست فكراً سياسياً، وهي لا تقدم نفسها كنقيض للغرب. وذلك في مقابل الإخوان المسلمين و«الديوبابندية» السائدة في شبه القارة الهندية. هاتان الآيديولوجيتان الأخيرتان تقومان أساساً على مناهضة الغرب. فقد تشكل فكر الإخوان المسلمين من تجارب سيد قطب خلال دراسته في أمريكا، فيما نشأت الديوبابندية كرد فعل على الاستعمار البريطاني.

وأوضح الباحث والمحلل السعودي اليحيا أن السلفية التقليدية السائدة في السعودية لا تعارض أن تكون السياسة الخارجية للبلدان الإسلامية صديقة للغرب. وفي المقابل أيضاً فإن معتقدات الإخوان المسلمين تقوم على التحشيد، والتعبئة، والنشاط السياسي. وشرح بشيء من التفصيل للجمهور مبررات اعتبار الإخوان المسلمين تهديداً، وهو ما أدى إلى تصنيفهم كمهدد إرهابي. وخلص إلى أن احتضان قطر لأقطاب هذه الجماعة، وغيرها من جماعات الإسلام السياسي يفسر كثيراً من جوانب القطيعة الراهنة مع قطر. وأشار إلى الحملة الساحقة التي شنتها سورية في عهد الرئيس حافظ الأسد على جماعة الإخوان. وذكر اليحيا أن أحد أقطاب الإخوان، ويدعى محمد سرور زين العابدين، عمد إلى دمج السلفية والإسلام السياسي، وأخذ ذلك يقوى في السعودية. ولأن السلطات السعودية آنذاك استشعرت أن «السرورية» ستغدو مشكلة، فقد قامت بإبعاد سرور عن المملكة، في عام 1974. بيد أن آيديولوجيته بقيت. وأوضح اليحيا أن حركة السروريين أضحت حاجزاً بين الدولة والجمهور. وأخذت تؤثر في الشباب. وذكر أن بعض الدعاة الذين اتخذت بحقهم إجراءات في الآونة الأخيرة متأثرون بشدة بالفكر السروري.

وتلقى اليحيا سؤالاً عن إمكان إحداث أي تعديلات في خطط «رؤية السعودية 2030». فأجاب بأن «2030» أصلاً خطة مرنة، وإذا اتضحت حاجة إلى تعديلها فسيتم ذلك، لأنها طموحة جداً. وزاد أن الفهم السائد في السعودية يتمثل بأن الاعتماد على النفط وحده ليس دائماً، وأن مشكلة البطالة في السعودية هي مشكلة حقيقية لا بد لها من علاج. وأوضح أن تنويع مصادر الدخل الذي تنادي به «رؤية 2030» لا يتوقف على الخصخصة، بل يشمل مصادر الطاقة نفسها، بتخصيص استثمارات ضخمة في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة البديلة.

وتساءل معلق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) المخضرم فرانك غاردنر عن العقبات التي يحتمل أن تواجهها مساعي الإصلاحات في السعودية. وقال غاردنر إن تعاظم النزعة المحافظة لدى المجتمع السعودي كان في جانب منه، رد فعل على حادثة جهيمان في 1979، ومساعي إيران لتنصيب نفسها زعيماً للعالم الإسلامي. وأضاف غاردنر: كيف سيتمكن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز من إحداث التوازن المطلوب بين الانفتاح الاجتماعي ومحاولات الزعزعة الإيرانية؟. رد اليحيا بالقول إن إيران لم تعد تملك «قوة ناعمة» في العالم الإسلامي، وإنها فقدت اهتمام المسلمين بها إثر فظائعها في سورية. وأضاف أنه على رغم أن إيران تلعب على الدوام بورقة التهديد الإسرائيلي، لاستقطاب التعاطف معها، ومع المنظمات الإرهابية التي تدور في فلكها، مثل «حزب الله» اللبناني؛ إلا أنها (إيران) ليس لها أدنى قدر من التأثير في ما يحدث في السعودية. وتدخل مدير الندوة ستيفنز ليضيف أن إيران نفسها تشهد انشقاقات متزايدة بشأن السياسات الخارجية لنظامها.

وسأل سائل: من هو إذن المهدد الحقيقي للإصلاحات السعودية؟ وهل صحيح أن «المحافظين» في السعودية سيكونون المهدد الحقيقي؟ أم هل هو العالم الإسلامي على جهة العموم؟ رد اليحيا بأن ذلك كله ليس له أي أساس. وقال إن المناوئين للمملكة ظلوا منذ تأسيس السعودية في ثلاثينات القرن الـ20 يتحدثون عن قيام السعودية بإدارة المقدسات الإسلامية. ولم يحقق ذلك شيئاً من أغراضه، لأن أفراد الأمة الإسلامية في جميع أقطارها، في أرجاء العالم، يعرفون يقيناً أن السعودية لم تحِدْ مطلقاً عن تعاليم الإسلام وآدابه. وتدخل ثانية مدير الندوة ستيفنز ليوضح كيف سعت إيران لاستغلال حادثة تدافع الحجاج في مشعر منى للنيل من إدارة السعودية للمقدسات الإسلامية. وتساءل أحد أفراد الجمهور: هل صحيح أن السعودية تقوم بتصدير نوع من الإسلام لا يعرف التسامح؟ رد اليحيا ساخراً بأن هناك مزاعم مثيرة للسخرية بأن أجهزة الاستخبارات قادرة على السيطرة على جميع الأمصار الإسلامية في العالم. وزاد أن الدور الحيوي للمملكة العربية السعودية في محاربة التطرف والإرهاب معروف للعامة والخاصة على حد سواء، ولذلك تكتسب السعودية أهمية كبيرة لدى الغرب، حتى أضحت إجراءاتها للتدقيق في التحويلات المالية نموذجاً يحتذى في أرجاء العالم. وذكر اليحيا أن له صديقاً سعودياً أراد أن ينشئ جمعية خيرية في المملكة، فواجه سلسلة طويلة من الإجراءات والتمحيص، لضمان عدم ذهاب أموال الجمعية لأغراض سيئة.

وتلقى المحلل السعودي سؤالاً آخر: ماذا يمكن لوزارة الخارجية البريطانية أن تفعل لتحقيق مزيد من الفهم لطبيعة السعودية؟ وكيف ينظر السعوديون لطبيعة العلاقات بين بريطانيا وقطر؟ أثنى اليحيا، في رده على جهود الدبلوماسيين البريطانيين. لكنه قال إن التصرفات القطرية استعصت على الفهم، خصوصاً شراء طائرات مقاتلة وهي ليس لديها طيارون. وأوضح ستيفنز أن وزير الدفاع البريطاني سير مايكل فالون زار قطر أخيراً، وغادرها مباشرة إلى السعودية، وأن وزارة الخارجية البريطانية حريصة على عدم الانحياز لقطر.

وأعرب عدد من الحضور عن قصور في تفهم طبيعة السعودية. وشكا بعضهم من صعوبة زيارة المملكة. وتوقع اليحيا أن تتيح السعودية تأشيرات لدخول السياح في غضون 5-6 أعوام، مؤكداً أن السياحة مكون مهم في «رؤية السعودية 2030». وقال إن شعوب العالم ستصبح قادرة على الاستمتاع بجمال مواقع كمدائن صالح. وقال أحد الحضور إن الأفكار المغلوطة عن السعودية في الإعلام الغربي قد تكون عائقاً للإصلاحات السعودية، خصوصاً لجهة عدم استقطاب السياح. فرد عليه اليحيا بأن التصورات المغلوطة ستبقى على الدوام في الصحافة الغربية، وأن الحل هو أن يُقْدِم الغربيون إلى السعودية، فليس لدى السعودية ما تخفيه عن أعين العالم، كما أن كل من زاروا المملكة أدلوا بانطباعات إيجابية. لكن اليحيا حذر من أن تعاطي الأكاديميين الغربيين مع السعودية مثقل بالمشكلات، «لأن الأكاديميين لا يذهبون إلى المملكة، ولا يطلعون ويقرأون بما فيه الكفاية للكتابة عنها». وقال اليحيا إنه واثق من أن التغطية السيئة للشأن السعودي ستتغير، وأن المسألة ليست سوى مسألة وقت. وأوضح معلق «بي بي سي» غاردنر أنه قضى «وقتاً ممتعاً» في السعودية، باستثناء ما هو واضح. وهي إشارة للهجوم الإرهابي الذي تعرض له في الرياض، قبل نجاح السعودية في سحق شبكة «القاعدة». لكنه أضاف أن من الصعب الحصول على تأشيرة لدخول السعودية، وأن «بي بي سي» واجهت صعوبات في إرسال مدير أخبارها للمملكة.

وعلّق مدير الندوة ستيفنز بأن من المؤسف أن كثيراً من التصورات المغلوطة عن السعودية مبنية على تصرفات أبناء الأثرياء الذين يقودون سياراتهم الفارهة غالية الثمن في شوارع لندن. غير أنه رأى أن الأكثر أهمية من كل شيء أن يتواصل السعوديون مع الآخرين. وقال إنه يقدر عالياً دور السعوديين الذين يشاركون بالتعليق في برامج الـ«توك شو» باللغة الإنجليزية. وأضاف أن الشبان السعوديين، وفي مقدمتهم اليحيا يمثلون نموذجاً واعداً. وزاد: قبل 20 عاماً لو أردت إقامة مثل هذه الندوة في لندن فلن تجد من يستطيع تمثيل السعودية إلا من يحمل صفة رسمية، ولذلك فإن اليحيا وأمثاله يقومون بدورهم في مواجهة التصورات الخاطئة عن المملكة.

زين العابدين

غرس بذرة «السرورية» قبل إبعاده عن المملكة في 1974

قادة الغرب يدركون أهمية السعودية لمحاربة الإرهاب