كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر العام ٢٠٠١ أضخم تحول في المشهد الفكري والثقافي والإعلامي في المملكة، قبلها كان الواقع يخضع لهيمنة الصوت الواحد، وكان الحذر يحاصر كل الأصوات التي تفكر في نقد التشدد أو حتى الحديث عنه، ناهيك عن نقد المنابر والخطب وبعض الأجهزة الحكومية ذات الصبغة الشرعية، واكتملت هجرة الفن السعودي إلى الخارج وتراجعت المقالات الجادة والمفيدة، عدا تلك التي تتذكر موت الأميرة ديانا أو فوز المنتخب الفرنسي بكأس العالم.

جاء ذلك الحادث ليجعلنا هكذا وبكل بساطة أبرز متهم أمام العالم بالإرهاب، فخمسة عشر فردا من إجمالي تسعة عشر منفذا للهجوم كانوا من أبنائنا (من الأهداف لتلك العملية ضرب العلاقة بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية).

كان ذلك قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بوقت طويل، وكانت الصحافة هي الصوت الأبرز والأكثر تأثيرا، كان لابد لذلك الواقع من تشكيل جديد ولابد من ظهور أصوات جديدة حقق ظهورها هدفا جديدا، وهو أننا لسنا مجتمع الصوت الواحد بل ثمة تنوع في الأصوات والآراء، بدأت الصحافة بنقد خطابات التطرف والإرهاب والتكفير، كانت البداية على قلق واستحياء وبدأنا نكتب ونقرأ مطالبات بمراجعة المناهج الدراسية والخطاب الديني، يمكنني أن أقول بكل وضوح إن الدولة كانت الأكثر سعادة وهي تتابع ظهور خطابات وأصوات جديدة، لأن ذلك التنوع من شأنه أن يقدم رسالة للعالم وللداخل بأن ثمة نقدا داخليا بدا يتصاعد في المشهد السعودي العام.

ظهرت طفرة المراجعات الفكرية وبدأ بعض الذين كانوا يحملون خطابا دينيا متشددا يقدمون رؤى جديدة لفكرهم كانت في تلك الفترة تعتبر حدثا مهما ومهدت الطريق أمام استمرار النقد ومواجهة خطابات التطرف والعنف.

لم نلبث سريعا إلى أن حل العام ٢٠٠٣ وشهدت المنطقة أسوأ حدث ما زالت تداعياته قائمة إلى الآن، الاحتلال الأمريكي للعراق، مثل الحدث فرصة للأصوات المتشددة التي صمتت بعد الحادي عشر من سبتمبر أو اختارت الانحناء لتمر العاصفة، فرصة لإعادة صوتها وحضورها وشهدت المنابر عودة لخطابات الجهاد والنفير.

كنا أمام تحد كبير للغاية، نحن الذين اكتوينا بتجربة العائدين من أفغانستان والمشاركين في عملية الحادي عشر من سبتمبر، لن نصمت عن التجربة التي أرادت إعادة نفسها مرة أخرى.

لأول مرة تظهر كتابات في الصحافة السعودية تعيد النظر في الفهم السائد للجهاد والنفير العام ونصرة إخواننا في أرض الرافدين، وأضاف لتلك الأصوات بروز أصوات شرعية وفقهية تقول بعدم جواز الخروج للجهاد وقد واجهت تلك الأصوات كثيرا من النقد والتشنيع من قبل الممانعين.

استمرت الصحافة وظهرت أصوات جديدة تنافح عن المملكة في وجه الهجوم الحاد الذي شنته كثير من وسائل الإعلام العالمية وفِي ذات الوقت توجه نقدا فعليا وجديدا لأصوات التشدد والتطرف.

شهدت تلك الفترة ظهور ما يمكن وصفه بالكتاب الوطنيين الذين أطلقوا لغة جديدة في المشهد الفكري السعودي وكانت وسائل الإعلام العالمية والمكاتب الإعلامية في السفارات تنقل يوميا هذا الايقاع الجديد.

تعرضت تلك الفئة من الكتاب لحملات تشويه واسعة جدا وكانت منتديات الإنترنت أبرز ساحة لتلك الحملات: الليبراليون، التغريبيون، زوار السفارات، وغيرها لم تكن سوى بعض أشكال التصنيف التي اتخذها المهاجمون في وجه أصحاب هذه اللغة الجديدة.

كانت أزمة كبرى لكل خطابات التطرف والتشدد، إنهم أمام لغة جديدة وخطاب جديد يحمل وجهة نظر فيما يقولون وفيما اعتادوا أنهم حين يقولونه لا يجدون إلا الإصغاء ولا يجرؤ أحد على نقدهم.

ليس من المبالغة القول إن تلك الطبقة الجديدة مثلت أرضية أولى لنقد خطابات التطرف ولبسط الأطروحات الوطنية الجديدة.

تلك الفئة هي التي أسهمت أيضا وبشكل محدود ربما في صناعة رأي عام يرفض التطرف وينادي بالإصلاح والتطوير وحماية الأمن واحترام النظام وتطوير الخدمات والمؤسسات المحورية وإصلاح التعليم وتطوير مناهجه والاهتمام بالفنون وقضايا المرأة والاحتفاء بالوطن ورموزه وإصلاح هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

لقد انطلقوا في كل ذلك من قيمة الدولة الوطنية العليا، تلك الدولة التي أدركت مبكرا أن أفكار الوطنية والاعتدال هي التي يجب أن تسمو وأن تمثل الواقع الذي ننطلق منه للمستقبل.

ذلك المستقبل هو الذي نعيشه اليوم، والذي ننطلق منه لمستقبل أرحب وأكثر اعتدالا وتسامحا ومدنية.