تابعت ومعي الملايين من أبناء الأمة العربية انتخابات منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، حيث تنافس على منصب مدير هذه المنظمة خمس دول: مصر ولبنان وقطر والصين وفرنسا، ولقد آلمني وأحزنني أن أرى في هذه الانتخابات سوءات الأمة العربية، حيث الفرقة وعدم الاتفاق، إذ لو اتفق مرشحو الدول العربية الثلاثة على واحد منهم، لرجحت كفته، وما فازت بالمنصب يهودية فرنسية، فيا حسرة على العباد.

لكن الطامة الكبرى أن يعمد مرشح النظام الحاكم في قطر إلى شراء الذمم والأصوات، اعتقادا منه بأنه يستطيع الوصول إلى هذا المنصب الأممي بأموال الشعب القطري، لقد أنفق الملايين من أجل ضمان أصوات بعض الأفارقة، لم يعتمد على محل دولته الحضاري والثقافي، فهذا لا يتوافر له، ولم يعتمد على تاريخه وسيرته الذاتية، فهذا أيضا لا يتوافر له، ومن العجيب أن تخوض قطر غمار هذه الانتخابات بلا رصيد من حضارة أو ثقافة، وإنما رصيد من ملايين الدولارات من أموال الشعب القطري.

كم آلمني أن ينسحب المرشح الصيني لصالح المرشحة المصرية، بينما تمادى الإخوة الأعداء في تشرذمهم وتفرقهم، ليعكسوا واقع العالم العربي.

عموما، هذا السلوك القطري ليس بغريب، فقد بدأت تفوح رائحة الرشاوى التي قدمها حكام قطر للفيفا من أجل الحصول على شرف تنظيم مونديال كأس العالم، وستكشف التحقيقات كل مستور.

لقد حاولت قطر من خلال حصد أصوات الناخبين في اليونسكو بالرشاوى والشراء أن تثبت للعالم أنها دولة حضارية من الطراز الأول، وأن تبعد عن نفسها تهمة رعاية الإرهاب ودعمه، ولكن العالم لا تنطلي عليه مثل هذه التصرفات، فذهبت أموالهم أدراج الرياح، وفازت الفرنسية اليهودية بالمنصب، مستغلة التشرذم العربي، والتفرق والتناحر، قبل أن تستغل قوة بلادها.

ويخطئ من يعتقد أن الملايين قادرة على أن تبني مجدا، أو تصنع عزا، فالأمم والدول بإنجازاتها وإسهاماتها في الحضارة، وما تقدمه للإنسانية، ولعل حكام قطر لم يدركوا هذه الحقيقة، واعتقدوا أن المال الذي شروا به تنظيمات إرهابية، ونفذوا به كثيرا من القلاقل في العالم العربي، قادر على أن يصل بهم إلى المناصب الدولية، ولو قدر لمرشح قطر الفوز، لكان بمثابة وصمة عار في تاريخ اليونسكو، فالعالم بأسره يعلم مدى رعاية حكام قطر للمنظمات الإرهابية، ومن ثم فإن فوز مرشحهم إنما يعني إقرارا لنهج هؤلاء الحكام.

على النظام الحاكم في قطر أن يفكر جيدا في سياساته وسلوكياته وأن يتساءل: ماذا قدمت قطر للإنسانية، وما دورها في الثقافة والعلوم والفنون التي هي من صميم اختصاصات اليونسكو؟!

وعليهم أن يعلموا جيدا أن الرشاوى لا تبني الأمجاد للدول، وإنما العبرة بما تقدمه الدول من خير للإنسانية جمعاء.

Dr.rasheed17@gmail.com