«رويترز» (مقديشو)

عندما وقع أسوأ تفجير تشهده الصومال يوم السبت سارع عابدي علي إبراهيم إلى الحفرة التي أحدثها ولم يزل يتصاعد منها الدخان على بعد أمتار من المتجر الصغير الذي كانت أخته الحبيبة آشا تبيع فيه الوقود.

فقد انفجرت الشاحنة الملغومة بجوار شاحنة صهريج لنقل الوقود فأحدثت كرة هائلة من النار وانتشرت أشلاء الجثث على الطريق. كان إبراهيم لا يتمنى أن تكون أخته الحامل والأم لاثنين قد أصيبت في الحادث ونقلتها سيارات الإسعاف. وبدأ يبحث كالمجنون في كل مستشفيات مقديشو بادئا بأكبرها مستشفى المدينة.

قال إبراهيم لوكالة «رويترز» وهو يجلس على أريكة «وجدت جثثا كثيرة وجرحى وأشلاء جثث وجثث محترقة انكمشت بشكل فظيع. ولم تكن هناك». وعلى مدى يومين تشبث ابراهيم بالأمل أن تكون آشا (44 عاما) نجت بطريقة أو بأخرى من التفجيرين اللذين أسفرا عن مقتل أكثر من 300 شخص ليصبح ذلك هو أسوأ هجوم في تاريخ الصومال.

تشابه التفجيران مع تفجيرات أخرى أعلنت المسؤولية عنها حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، رغم أن الحركة لم تعلن حتى الآن المسؤولية عن تفجيري يوم السبت. ويقول خبراء إنه ربما كان هدف العملية مباني حكومية على مقربة غير أن التفجير وقع قبل الأوان.

وفي رحلته من مستشفى إلى آخر شعر ابراهيم بالغثيان من جراء أكوام اللحم البشري المحترق لكن ظل يعذبه الاحتمال الضئيل أن تكون أخته وجنينها قد نجيا وبحاجة إلى مساعدته. وأخيرا عاد ابراهيم إلى مسرح التفجير حيث كانت آشا تبيع الوقود.

وقال إبراهيم «على بعد ثلاثة أمتار فقط من المكان الذي كانت تجلس فيه شاهدت حفرة سوداء أحدثها تفجير الشاحنة. واستطعت أن أرى أكياسا وضعتها الشرطة على الطريق وعليها أعضاء ورؤوس وأطراف بشرية». وأضاف «شاهدت يدها على حجر تحت شجرة. كانت يدها وبها الخاتم في إصبعها».

وأخذ ابراهيم اليد إلى والدته المسنة. وقال إنها بكت بحرقة حتى أن كلماتها لم تكن مسموعة في البداية وسط جمع من الأقارب تحلقوا حولها. وقال «لمست اليد ثلاث مرات وقالت ‘هي يد ابنتي. أنا متأكدة. هذا هو الخاتم في أصبعها... روحوا ادفنوها».

ومع اتضاح حجم الهجوم أمر الرئيس محمد عبد الله فارماجو بإعلان الحداد الوطني ثلاثة أيام وأطلق الأطباء نداءات للتبرع بالدم وبعد أن بذل العاملون المرهقون في خدمة الإسعاف جهودا كبيرا لإنقاذ الجرحى وجدوا أخيرا الوقت لنقل الموتى إلى المشرحة.

وبدأت عمليات دفن جماعي للجثث المجهولة ولفت الجثث التي غطاها السواد في ملاءات بيضاء. وربما كانت إحداها جثة آشا. ووجد ابراهيم وابن آشا وابنتها من زواجها الأول (21 و23 عاما) أنفسهم أمام مشكلة جديدة. فهل يقيمون صلاة الجنازة على يدها إذا لم يستطيعوا العثور على جثتها؟ وقال إبراهيم «سألت كثيرين من رجال الدين عن كيفية دفن اليد. قال البعض إنه لابد من صلاة الجنازة على اليد قبل الدفن. ورفض آخرون فكرتي وقالوا إنه لا يجوز أداء صلاة الجنازة على عضو من الجسم». وأضاف «في النهاية غسلت اليد ولففتها في قطعة كفن أبيض ودفنتها في قبر».

ويتزايد شيوع المشكلة فحركة الشباب تستخدم قنابل أكبر وأكبر. ويقول مركز ساهان للأبحاث في نيروبي أن 723 صوماليا سقطوا قتلى في 395 تفجيرا في عام 2016 ارتفاعا من 193 قتيلا في 265 هجوما في عام 2015. ومن المرجح أن يسجل العام الحالي رقما قياسيا جديدا في الصومال الذي يعاني من حرب أهلية منذ عام 1991.

ويقول مركز ساهان إن 40 في المئة من القتلى وأكثر من نصف الجرحى في العام الماضي كانوا من المدنيين. وتنحسر حركة التمرد الإسلامية التي بدأت عام 2007 باطراد منذ طرد حركة الشباب من العاصمة مقديشو عام 2011 لكنها لا تزال قادرة على شن هجمات مدمرة.

وقال إبراهيم إنه صدم عندما شاهد يد آشا في البداية لكنه يشعر بالارتياح الآن لأنه عثر عليها.