يعدّها: علي مكّي
أكد الباحث السعودي الدكتور عبدالرحمن الثنيان أن مركز نيلسون للدراسات الأمنية والعسكرية والإستراتيجية ـ الذي افتتحه أخيراً في العاصمة البريطانية لندن ـ سيعمل على إعداد البحوث الموضوعية ودراسة وتحليل القضايا الأمنية والعسكرية الحالية والمستقبلية وانعكاساتها على أمن الخليج والشرق الأوسط، وتناول الثنيان في حوار مع «عكاظ» ما ينقص المؤسسة الأمنية العربية، مشيداً بالنجاحات الأمنية السعودية في محاربة الإرهاب.. فإلى التفاصيل:

• في بداية الأزمة القطرية ظهرت في البي بي سي بموقف ملتبس وغير واضح.. الآن والأزمة تدخل شهرها الخامس ما موقفك منها؟ وكيف ترى المستقبل معها؟

•• موقفي كان ولا يزال واضحا من الأزمة القطرية؛ أن النظام القطري حاول أن يلعب دور المشاكس في المنطقة، وتقمص دورا أكبر من حجمه على مدى العقدين السابقين، في الوقت الذي كانت فيه المملكة تُمارس سياسة ضبط النفس، مراعاة للعلاقات الأخوية ووشائج القربى بين الشعبين، ولكن بعد أن تمادت قطر لم يكن بإمكان المملكة الاستمرار في نهجها المتسامح وكان لابد من إيصال رسالة حازمة للنظام القطري بالتوقف عن سياساته التخريبية في المنطقة وإلا عليه تحمل تبعات ذلك.

أما بالنسبة لمقابلة الـ «بي بي سي» فكان رأيي واضحا؛ إذ إنني كنت أتحدث فقط عن الجانب المهني الإعلامي وليس عن الجانب السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، والمقابلة في الأساس كانت عن موضوع التزام الأطراف في التناول والتعاطي الإعلامي لبدايات الأزمة، فقد كان تناول بعض وسائل الإعلام مع الأزمة غير ملتزم بالقواعد المهنية، ولم يكن بالشكل المرضي والمأمول.

• تم تأسيس مركز نيلسون للدراسات الأمنية والإستراتيجية أخيرا في لندن.. ترى لماذا بريطانيا؟ لماذا لم يكن في السعودية مثلاً؟

•• إن تفعيل دور مراكز الأبحاث والدراسات أو ما يتعارف عليه في الغرب باسم مراكز التفكير قد أصبح من مقتضيات الضرورات السياسية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية والتنموية؛ وذلك بوصفها الطريقة الأمثل لإيصال المعرفة المتخصصة.

ولقد جاء تأسيس مركز نيلسون للدراسات الأمنية والإستراتيجية واتخاذه مدينة لندن في المملكة المتحدة مركزا رئيسيا لعدة اعتبارات، من ضمنها كون المملكة المتحدة الموطن الأصلي لمراكز التفكير في العصر الحديث؛ فمثلا يعود تأسيس المعهد الملكي للدراسات الدفاعية إلى عام 1831، واليوم يبلغ عدد مراكز التفكير في بريطانيا قرابة الثلاثمئة مركز في مختلف المجالات ولديها تأثير فعّال عالميا خصوصا في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والسياسة العامة، والدفاع والأمن والخارجية، وبهذا تكون بريطانيا هي الدولة الثالثة في العالم من حيث عدد هذه المراكز بعد الولايات المتحدة والصين. هذه الميزة تتيح لنا نسج علاقات قوية مع تلك المراكز واستقطاب كفاءات علمية وبحثية متميزة والتعرف عن قرب على تجارب وخبرات ووجهات نظر وآراء مختلفة ونقلها إلى عالمنا العربي.

ورغم انتقال مركز صناعة القرار الدولي من لندن إلى واشنطن بعد أفول نجم الإمبراطورية البريطانية، إلا أن لندن ما زالت تحتفظ بالعديد من الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية مع العالم العربي عموما وعلاقات أمنية واقتصادية متينة مع دول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، إضافة إلى كونها مركزا عالميا رئيسا في مجال المال والأعمال؛ إذ تمتلك اليوم خامس أقوى اقتصاد في العالم، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن.

الأمر الآخر يتمثل في أهمية الموقع الجغرافي، فبريطانيا هي في أوروبا وقريبة من المنطقة العربية، كما تمتلك صناعات عسكرية وتكنولوجية متقدمة خصوصا في مجال مكافحة الإرهاب وأمن المعلومات، وتعد مركزا تدريبيا متقدما في كافة المجالات.

تحديات التعاون

• كيف ترون مستقبل العلاقات الخليجية ـ البريطانية؟

•• في شهر ديسمبر الماضي 2016 اتفقت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وبريطانيا، على إطلاق شراكة إستراتيجية، لتعزيز علاقات أوثق في المجالات كافة، بما في ذلك السياسية والدفاعية والأمنية والتجارية والثقافية والاجتماعية، ووضع حلول جماعية للقضايا الإقليمية لتحقيق المصالح المشتركة في الاستقرار والازدهار.

العلاقات البريطانية مع دول الخليج تعود إلى أكثر من 200 عام، واليوم ومع بدء إجراءات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإن العمل مع دول الخليج سيحتل إحدى أولويات الحكومة البريطانية من أجل العلاقات التجارية والاقتصادية، حيث سيتم العمل بشكل أوثق مع قطاع الأعمال بهدف تشجيع النشاط الاقتصادي ورفعه لمستويات أكبر.

ولعلنا نتذكر أن تيريزا ماي كانت أول رئيسة وزراء بريطانية، تحضر قمة مجلس التعاون الخليجي السنوية وذلك عند انعقاد دورته الـ37 يوم 6 ديسمبر2016 في المنامة، وحينها صرحت بدعم بلادها والتزامها بأمن واستقرار دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وعزمها على جعل لندن عاصمة للاستثمار الإسلامي، وقالت: «أمن الخليج الآن هو أمننا، ولذلك فنحن نستثمر هناك، ولا يتعلق الأمر بالقوة العسكرية فقط؛ إذ ينبغي علينا العمل معا للرد على التهديدات المتنوعة، ولذلك سنتوصل إلى اتفاقات تعاون جديدة لمنع التشدد، ومعالجة الإرهاب».

مما سبق يبدو أن العلاقات الخليجية ـ البريطانية تتجه نحو المزيد من التعاون خصوصا في ظل التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون وأيضا المملكة المتحدة.

• منطقة الشرق الأوسط غير مستقرة أمنيا وتشهد اضطرابات متعددة في هذا الشأن.. كخبير أمني أو عسكري كيف تقرأ ما يحدث الآن في هذه المنطقة؟

•• إن حالة اللااستقرار الأمني التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط لم تعد شأنا إقليميا فقط بعد أن تقاطعت وتشابكت معها المصالح الدولية. لقد بدا أن العديد من الدول في المنطقة والتي نالت استقلالها منذ منتصف القرن الماضي لم تستطع تحقيق الوعود البراقة التي قطعتها لشعوبها ولم تستطع مواجهة أي من التحديات الكبرى مما نتج عنه ضعف وتدهور في الأنظمة والمؤسسات وقاد ذلك إلى إنتاج مجتمعات وحكومات لم تكن قادرة على أداء وظائفها الأساسية والارتقاء والتقدم، نتج عنه بالتالي خلق صراعات جديدة. ولمحة عابرة للتغييرات الجذرية في المشاهد السياسية المحلية والإقليمية في المنطقة كفيلة بأن تجعلك تدرك مدى الخطورة التي تواجهها دول المنطقة بعد أن بلغت بعض التحديات الأمنية قمتها. ونحن حينما نتحدث عن التهديدات الأمنية لا نقصد بها التهديدات العسكرية وأعمال العنف والإرهاب فقط، وإنما نعني كافة عناصر الأمن القومي للمنطقة بما فيها الأمن الفكري والسياسي والاقتصادي والغذائي والمائي. وفي ما يتعلق بدول الخليج العربي فإن الإخطار والتحديات الأمنية التي تواجهها غاية في الجسامة تتطلب صياغة دور خاصٍ بها والعمل على تعزيز سياسة الحوار والتعاون.

المصالح السياسية

• لِمَ اختيرت لندن مقرا لمركز نيلسون؟

•• إحدى مميزات مدينة لندن كونها تعد مركز جذب للنخبة من الكوادر المهنية حتى أنها حصلت على لقب عاصمة المواهب في عام 2013. إن هذه المدينة التي يقدرعدد سكانها قرابة 9 ملايين نسمة، وتضم الآلاف من الكوادر المؤهلة بدرجة عالية ليس من داخل المملكة المتحدة فقط وإنما من جميع أنحاء العالم. كما تحتضن لندن العشرات من الجامعات والكليات البريطانية والأوروبية والأمريكية، إضافة إلى عدد كبير من مراكز الأبحاث والجمعيات العلمية والمهنية. كل ذلك يوفر بيئة ملائمة للكفاءات المتميزة والتي يحرص المركز على استقطابها والاستفادة منها.

• ما الذي ترونه ينقص المؤسسة الأمنية العربية في الوقت الحالي؟ وكيف يمكن تعزيز التعاون الأمني العربي واقعاً لا تنظيراً؟

•• تحتاج المؤسسات الأمنية العربية بشكل عام إلى إعادة هيكلة تتضمن مجموعة من السياسات والبرامج التي تؤدي إلى تطوير مرفق الأمن ليصبح أكثر قدرة على أداء واجباته. ولعلنا هنا يمكننا الاستشهاد بتجربة المملكة الرائدة والرامية إلى تطوير القطاعات الأمنية وفق أحدث التنظيمات الإدارية لتكون على أعلى درجات الاستعداد لمواكبة التطورات والمستجدات، ومواجهة كل التحديات الأمنية بقدر عال من المرونة والجاهزية والقدرة على التحرك السريع لمواجهة أي طارئ.

إن أبرز ما ينقص المؤسسات الأمنية في عدد كبير من الدول العربية يشمل ضعف المهنية بشكل عام، وعدم الفصل بين الأجهزة الأمنية والمصالح السياسية، وضعف التدريب والإلمام بالتقنيات الحديثة على المستوى التنظيمي والتكنولوجي.

باختصار يمكننا القول إن تطوير قدرة المؤسسات الأمنية العربية يتطلب في هذه المرحلة الاستناد الدائم إلى أساس علمي قائم على الاستفادة من الخبرات والتخصصات ودراسة الخطط السابقة والاستفادة من التجارب السابقة في ما يتعلق بالمقومات البشرية والمادية والتنظيمية والتشريعية.

أما في ما يتعلق بتعزيز التعاون الأمني العربي فهو يكمن في تعزيز وتطوير كفاءات المؤسسات الأمنية كما تقدم، والثاني وهو الأهم الفصل بين الأجهزة الأمنية والمصالح السياسية للدول.