أحمد علي الغامدي
أكاد اختنق من تفسير البعض لأمور المرأة، فهناك من جعل التحريم صبغة دائمة في كل شيء يخصها، وجعل العيب صفة لبعض الأمور الأخرى، فما أن يأتي ذكر قيادة المرأة للسيارة حتى ينتفض غالبية الحضور إن كانوا في جلسة، فهناك من يشنع عليها هذا الحق، وهناك من يضعها ويضع وليها في دائرة الخروج من ربقة الإسلام بالكلية، ولكن لو استقصيت عن غالبيتهم لوجدت أن لديهم سائقين ينقلون زوجاتهم بشكل يومي، ومع ذلك يرون ذلك أمراً لا حرج فيه ولا تحريم، وهناك من تقطع زوجته أو ابنته المسافات سيراً على الأقدام لتنتقل من منزلها إلى السوق أو لزيارة أقاربها وصديقاتها، ولم يخطر بباله ما يمكن أن يعترضها من أخطار في ذلك الطريق، هناك من تقضي زوجته مع السائق ذهاباً وإياباً يومياً أكثر مما تقضيه من وقت في بيتها، فهو الذي يوصلها لعملها، ويأتي بها إلى منزلها بعد انتهاء فترة الدوام، ويوصلها إلى المستشفى أو لقاعات الأفراح وانتظارها إلى ساعات الفجر الأولى، ويوصلها لكل الأماكن التي لها فيها مصلحة تريد قضاءها، ثم إن المرأة ستنزل إلى الشارع وستركب مع السائق بمفردها في المقعد الخلفي وتذهب إلى عملها «وهذه خلوة غير شرعية»، فما المانع عندما تكون هي في المقعد الأمامي ودون خلوة، وتذهب إلى عملها مصونة وتعود مصونة، فلماذا ينتقد البعض على نزولها بمفردها للشارع بينما يصمت عن نزولها مع سائق أجنبي في خلوة صريحة ؟!

لو ناقشنا قيادة المرأة بعقلانية بعيداً عن مبدأ توارث بعض المفاهيم العقيمة لوجدنا أن مصلحتها في القيادة أمر ثابت لا مرية فيه، فهي ستذهب بمركبتها وأبوابها مغلقة عليها ونوافذها يعلوها التظليل الذي يحجب الرؤية لمن بالداخل، وهذا أكثر حفظا للمرأة وأكثر التزاماً بالدين، فهي بمفردها وتسير في شوارع مليئة بالمركبات الذاهبة والقادمة، ومع ذلك هناك من يشرع للخلوة أكثر من الاستقلالية، كما أن هناك أسرا لا يوجد فيها ذكور للقيام بإيصال الزوجة والبنات والأبناء لمدارسهم، ما يضطرهم إلى اللجوء للسائق الذي يعرض العائلة بأكملها للخطر فضلاً عن الكلفة المالية المرتفعة.

لا بد لنا من تحكيم العقل بدلاً من اتباع آراء أناس كل هدفهم الظهور بمظهر التقوى والورع في شيء، هم في قرارة أنفسهم يعلمون أنها لا توجد فيه محاذير أكثر مما يوجد في الخلوة سواء مع السائق الخاص أو سائق الأجرة، ولا ننسى أن هناك تعليمات مشددة سيتم اتخاذها ضد كل من تسول له نفسه التعرض لأي امرأة تقود مركبتها، وهذا أمر يعزز أمن الأسر في الأماكن العامة أكثر من أي وقت مضى.