لم تكن العلاقة التي جمعت بين الملك عبدالعزيز والسفير الروسي الأول كريم حكيموف مجرد علاقة دبلوماسية رسمية، بل تحولت إلى علاقة صداقة خاصة، نظرا لحب حكيموف وولعه الشديد بثقافة العرب، وحياة البادية، إضافة إلى اهتمام الملك عبدالعزيز بقضية المسلمين السوفيت ومعاناتهم، ما جعله يرى في حكيموف صورة معبرة ومقربة عنهم. لذلك حاول بعض المعلقين الروس أن يشبهوا بين شخصية كريم حكيموف وجون فيلبي بحكم أنهما شخصان أجنبيان ينتميان إلى دولتين عظميين، ومقربان من الملك. لكن الفارق كبير بينهما، نظر لمحدودية مهمات حكيموف، وعدم استقلاله وقدرته على التحرك بمفرده.

ولئن كان الفضل الأكبر في بناء العلاقات السعودية الروسية منذ وقت مبكر يعود إلى حكيموف، فإنه أيضاً كان المحور والقضية التي أدت إلى قطع العلاقات بين البلدين وتجميدها لمدة طويلة. حين تولى ستالين السلطة في الاتحاد السوفيتي، وبدأت حقبة التشدد والتضخم الأيديولوجي أو ما تعرف بفترة (الإرهاب الكبير)، اُستدعي حكيموف على وجه السرعة في برقية عاجلة تطالبه بالعودة إلى موسكو عام 1937، كان الأمر مريباً، ووراء الاستدعاء تلوح بوادر غضب ستاليني طال الآلاف من كبار الموظفين ورجال السوفيت الذين أعدموا دون أسباب واضحة. عرض الملك عبدالعزيز على حكيموف اللجوء السياسي، والبقاء في السعودية وعدم الذهاب إلى موسكو، لكن حكيموف رفض هذا العرض وقرر الذهاب، وهناك استقبل أيامه الأخيرة، وأعدم رمياً بالرصاص عام 1938.

استقبل الملك عبدالعزيز هذا النبأ بغضب كبير، ورفض استقبال أي مبعوث سوفيتي جديد، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي احتجاجاً على إعدام صديقه، فرد ستالين على ذلك بإغلاق البعثة الدبلوماسية السوفيتية في جدة.

راوحت الأسباب وراء قرار ستالين بإعدام حكيموف، رغم إخلاصه للاتحاد السوفيتي، ومشاركته المبكرة في الثورة البلشفية. من التفسيرات أنه اتهم بالتجسس لصالح بريطانيا بحكم أنه عمل سفيرا في السعودية واليمن، وقيل إن الأمر يعود إلى انحيازه للثقافة العربية والدين الإسلامي، وقيل إنه بسبب وشايات داخلية رأت في حكيموف خطرا على عقيدة الاتحاد السوفيتي. أياً يكن السبب فإن هذه كانت طبيعة فترة القمع والاضطهاد في الحقبة الستالينية.

في عام 1989 كشفت مجلة المجلة جوانب من خفايا قصة حكيموف وأسرار أيامه الأخيرة، في تحقيق مثير قام به فريق المجلة. العدد صدر في أكتوبر من العام ذاته، على الغلاف صورة حكيموف، والعنوان (القصة الغامضة لأول سفير سوفيتي مسلم في السعودية).

التقت المجلة حينها بزوجة حكيموف، السيدة خديجة خانم، بعد بحث وسؤال تمكن فريق التحرير من الوصول إلى مقر إقامتها في موسكو، حيث تقطن آنذاك في شقة مطلة على شارع لينين، مع ابنتها فلورا وحفيدتها مارينا. ورغم مرضها وتقدمها في العمر حيث كان عمرها آنذاك يقرب من الـ90 عاماً، لكنها لا تزال تذكر تفاصيل وأحداث تلك الأيام التي قضتها مع زوجها في السعودية.

نفضت خديجة حكيموف الغبار عن ذاكرتها، وأطلقت تنهيدات واهنة وهي تسترجع شريط حياتها، وأول وميض يتراءى أمامها، اللحظات الأخيرة لها مع زوجها في شتاء 1937، «في ذلك الشتاء القاسي القارس حلت بنا المأساة، لقد داهموه في منتصف الليل، وانتزعوه من بيننا، وحملوه في سيارة سوداء كنت أراقبها عن بعد ومعي فلورا الصغيرة ابنتي إلى أن غابت بعيدا في شوارع موسكو التي كانت تكسوها الثلوج البيضاء.. أخذوه وذهب إلى الأبد.. لقد انقطعت أخباره منذ تلك اللحظة، ووصلتنا روايات متعددة حول مصيره، ولكن المؤكد أنه لاقى المصير نفسه الذي لاقاه الآلاف غيره».

لا يمكن لخديجة خانم وهي تسترجع ذكرياتها مع حكيموف في السعودية أن تنسى زيارة الملك عبدالعزيز إلى منزلهم في جدة، تلك الزيارة التي كان له أثر نفسي وعاطفي بالغ عليها، فهي مرتبطة بذكرى ابنها شامل الذي توفي في جدة، وووري جثمانه في الديار المقدسة.

تقول خديجة: «الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ذلك الزعيم الذي ترتعد فرائص الرجال خوفا منه، ومهابة. كان عطوفا طيب القلب، وكنا نشعر أنه يخصنا بمعاملة خاصة، وذلك ربما لأنه كان يشعر بمدى ما يعانيه المسلمون السوفيت على أيدي رجال ستالين. لقد كان يزورنا باستمرار وكان يسأل عن أحوالنا وما نحن بحاجة إليه.. وأذكر الآن أن زيارات الملك عبدالعزيز رحمه الله لنا كانت مبعث سرور لنا، وإنني أتذكر آخر زيارة له وما دار خلالها. لقد جاء مشياً تحيط به ثلة من المرافقين، وعندما شاهد حكيموف جلالته وهو مقبل هرع على الفور مرحبا كعادته، فدخل جلالته ومرافقوه إلى ديوان الضيوف في الطابق الأرضي من منزلنا الذي كان هو نفسه مقر القنصلية. وبعد أن أخذ الملك عبدالعزيز موضعه على الأرض، وكان لا يحب الجلوس على الكراسي والأرائك المرتفعة، جلس زوجي مقابله فانهمكا في حديث ودي تخللته أسئلة سمعت جلالته يطرحها وأغلبها يتعلق بأوضاع المسلمين في الاتحاد السوفيتي وأحوال البلاد والمشاريع الاقتصادية الجديدة التي تنفذ هناك. لقد كان حكيموف يجيب على هذه الأسئلة باستفاضة وتوسع وكان جلالته يستمع بانتباه شديد، ويصدر عنه بين فترة وأخرى تعليق -مستوضحا أو مستفهما- عن أمر من الأمور مجال الحديث».

وتصمت خديجة خانم لفترة وتطلق زفرة حارة من صدرها وتحاول بيدها المرتعشة تفادي دمعة انزلقت على تجاعيد خدها ثم تواصل حديثها وتقول: «في هذه الأثناء كنت في الغرفة المجاورة أحاول متابعة الحديث بين جلالته وحكيموف. لقد كنت أحاول التغلب على حزني ودموعي، وأحاول كبت ما في نفسي لكنني وفي لحظة تغلبت فيها العاطفة على العقل لم أتمكن من السيطرة على ما كنت أقاومه فانفجرت باكية وبصوت مرتفع، ويبدو أن جلالته تنبه لذلك وسمع بكائي، فسأل حكيموف بصوت مرتفع وبتأثر واضح: يا حاج عبدالكريم إنني أسمع نحيباً فما سبب هذا النحيب لعله خير إن شاء الله. ويرد زوجي وهو يحاول إخفاء انفعاله وارتباكه: إنها زوجتي يا طويل العمر، لقد وافت المنية ولدي الصغير شامل ليلة أمس، بعد اصابته بمرض الزحار (داء يصيب الأمعاء) الذي أودى بحياته».

تقول خانم: «ما إن سمع جلالته ذلك حتى انتفض واقفا، فوقف جميع من كان في الصالة، وسمعته يستأذن من زوجي الدخول إلى حيث كنت في الغرفة المجاورة، وفي لحظة لا أستطيع وصفها دخل بقامته الفارعة والتأثُر باد على هيئته، ثم اقترب من جثمان شامل الذي كان مسجى في منتصف الغرفة، وردد مرات عدة، يرحمه الله، يرحمه الله، وألهمكم جل شأنه الصبر والسلوان».

وتستطرد قائلة: «كانت لحظة لا يمكن وصفها، فمع أنني كنت أشعر بحزن يمزق أحشائي على فقد ابني إلا أنني شعرت أيضا بارتياح شديد، وشعرت كم أن هذا الرجل الذي اهتزت من مهابته كثبان الجزيرة العربية وصحاريها متواضع غاية التواضع، إنه تواضع المؤمن والقوي، لقد أمر رحمه الله بإقامة عزاء رسمي، وأمر أن يدفن ابننا شامل في مكة المكرمة».

* باحث وكاتب سعودي

arash5@hotmail.com