مثل اقتحام ميليشيات الحوثيين العاصمة، بعد الاستيلاء على مدينة عمران واغتيال القائد العسكري حميد القشيبي، نقطة تحول فاصلة في تاريخ اليمن الحديث انقلبت فيها كل الموازين التي حكمت المجتمع خاصة بعد 26 سبتمبر 1962 التي سقطت عنده حق فئة واحدة بالحكم الذي كانت تراه حكرا عليها بموجب نظرية ابتدعوها تتحدث عن أحقيتها سلاليا ومذهبيا إدارة شؤون البلاد والعباد، واستكمل الحوثيون الإمساك بكل مفاصل الحكم المدنية والأمنية والعسكرية ونصبوا على رأسها من انتمى إليهم نسبا وصهارة وواصلوا إزاحة كل من كان غير قادر ولا مقتنع لتقديم الولاء والطاعة المطلقة.

لم يكتف الحوثيون بالسيطرة على العاصمة والمناطق الواقعة شمالها جغرافيا فبدأوا بتحريك ميليشياتهم جنوبها بسرعة فائقة بلغت أقصاها بعد اعتقال الرئيس والحكومة، في يناير 2015، بالوصول إلى عدن مرورا بتعز والبيضاء تحت شعار (محاربة الدواعش)، واستعانوا بمعسكرات الجيش هناك والتي نقل قادتها ولاءهم من الدولة إلى (الجماعة)، فأثارت هلعا مذهبيا ومناطقيا متسببة بنشأة مقاومة محلية استثارها الهوس المذهبي والإهانات التي تعرض لها المواطنون على يد من أرسلتهم لإخضاعها، كما حصلت على دعم من بعض القوى المحلية التي تنتمي لها سلاليا، فتسببت في خلق شقاق محلي في مناطق تعايش الناس داخلها عقودا طويلة دون إحساس بتميز وتمازجت الأسر بسلام وطمأنينة، ففجرت بذلك مخزونا تاريخيا من مشاعر الكراهية والأحقاد وبدأ الناس يستعيدون معاناة وقهر الأجداد الذين عاشوا تحت راية (الفتوحات) التي قام بها الحكام القادمون من المناطق الجبلية الشمالية في مناطق يسكنها الرعية (أي الذي يعملون بالزراعة ويكسبون قوتهم بعرقهم) وكان يطلق عليها (اليمن الأسفل) نسبة إلى انخفاضها عن (اليمن الأعلى) الواقعة شمالا الذي تسكنه القبائل الشمالية الزيدية المسلحة.

لم يستمر التواجد الحوثي في الجنوب طويلا فقد تمكنت المقاومة بدعم من قوات التحالف من استعادة محافظات اليمن الجنوبية وبَقى رحى المعركة في تعز التي مثلت معضلة مدمرة نظرا لأهميتها الإستراتيجية وكتلتها البشرية الأكبر يمنيا وسيطرتها الجغرافية بالحدود الفاصلة سابقا بين اليمنين الجنوبي والشمالي، إذ إن كامل المعسكرات فيها كانت موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح وكان غالبية كبار قادتها من (اليمن الأعلى) فانحازت لهم بحكم الانتماء الجغرافي المذهبي ومعهم المرتبطون سلاليا بـ(الجماعة) من أبناء (اليمن الأسفل) الذين انتقلوا من (اليمن الأعلى) عبر عقود طويلة وتوهموا أن هذا الصنيع سيعيد لهم حكما غابرا مازالوا يؤمنون أنه اغتُصبَ منهم في 1962.

استعصى على قيادة جماعة الحوثيين التمييز بين فكرة الوطن ولم يقتنعوا أنه متاح للجميع يعيشون فوق أرضه بالتساوي دون فوارق طبقية تمنح للأقلية سلطة أعلى من سلطة الدولة الجامعة وتوافق الجميع، ووهبت (الجماعة) لنفسها أفضلية على الأغلبية الساحقة وأغدقت على مناصريها المناصب والمكاسب والسطوة وفوق ذلك كله أغرقت الآخرين بالاتهامات والقهر وكبت الحريات العامة والشخصية، متغافلة -بجهل أو عمد- أن أحدا لم يسلم لها تفويضا بإدارة الشأن العام، وأغرقت البلاد كلها في حرب عبثية دمرت كل مقدرات البلاد، ومن المحزن أنها تصور الأمر دفاعا عن السيادة التي كانت ومازالت أول من انتهك قواعد احترامها، وتبرهن الأحداث الكارثية التي مر بها وطن كل اليمنيين أنها تصر على أنها هي حاميته، متناسية أن أعداد الضحايا وحجم الدمار يفوق ما قدمته وما تتحمله.

إن غياب فكرة الدولة عن عقل وإدراك قيادة (الجماعة) وتجاهل كل من يعيش على الأرض اليمنية وقمعهم المهين غير المسبوق لكل معارض ومحتج، كل هذا له مشاهده الحية في الواقع، بإصرارهم على ما يسمونه (اللجنة الثورية العليا) كل السلطة وأصبحت تدير البلاد عبر (المشرفين) الذين أنهكوا جسد المؤسسات العامة واغتصبوا حقوقها، وصارت ترى نفسها فوق الدستور والقانون بل وحتى الأعراف التي اعتادها الناس، ومن هنا فإن أكثر ما تحاول نسيانه والتغافل عنه هو أن الزمن لابد أن يضع حدا لكل أفعالها المدمرة للنسيج الاجتماعي، وحتما ستدفع مع كل من ارتبط بها وأيد مسارها أثمانا باهظة جزاء ما أثارته من أحقاد ورغبة في الثأر لامتهانها كل قيمة إنسانية وأخلاقية، وقد يبدو الأمر قابلا للتدارك لإيقاف عبثها وتحمل الجميع ثمنه، ولكنه حتما يستدعي فورا من (الجماعة) كبح جماحها المذهبي والسلالي وأن تعلم أن الناس قد يغفرون ولكنهم حتما لن ينسوا الظلم الذي أوقعته والمآسي التي ارتكبتها والدماء التي نزفت بسبب غرورها ونزقها.

في أروع رواياته «1984» يقول جورج اوريل (الحزب يسعى إلى الحصول على السلطة لمصلحته فقط. نحن لا نهتم لخير الآخرين.. نحن نسعى للسلطة فقط، السلطة المطلقة، إن السلطة ليست وسيلة وإنما غاية)، ولعل الحوثيين يتذكرون (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

* كاتب يمني وسفير سابق

mustapha.noman@gmail.com