أروى المهنا (الرياض)
يطمح الكاتب والمفكر البحريني نادر كاظم لمعالجة مشكلات المجتمع من خلال ما يكتب، مؤمنا بأنه لا دافع حقيقيا للكاتب سوى أن يعمل على تحريك المياه الآسنة.

كاظم مثقف بحريني حر، استطاع أن يثبت للقارئ الحداثي بالذات أن أسلمة المجال العام في الحياة اليومية أمر مستحيل، كون المثقف الحقيقي لا يمكن أن ينحاز لتقييد الفكر بأي شكل من الأشكال.

ويعمل كاظم «بروفيسورا» في مجال الدراسات الثقافية بجامعة البحرين، حاصل على الدكتوراه في الأدب العربي، له في النتاج الفكري أكثر من ستة إصدارات منها: المقامات والتلقي، تمثيلات الآخر، طبائع الاستملاك، وخارج الجماعة.

«عكاظ» التقت نادر كاظم.. فكان هذا الحوار:

• إلى أي مدى تساهم كتاباتك الفكرية في تغيير ما هو سائد؟

•• بالتأكيد هذا طموح أي كاتب، ولكن لا أحد بإمكانه الحكم على ذلك بصورة قاطعة، بمعنى أني ككاتب أطمح لمعالجة معضلات ومشكلات يعاني منها المجتمع والبلد، ولولا هذا لما كان هناك أي سبب يدفع كاتب ما إلى الكتابة والنشر، ومع هذا فأنا لا أدري إلى أي مدى تسهم كتاباتي في التغيير أو لا تسهم، ويمكن لآخرين أن يجدوا كتاباتي تسهم في تعقيد الموضوع أكثر! ثم بأي معنى نقول إن هذه الكتابات أسهمت أم لم تسهم؟ ليس هناك مقاييس دقيقة لمعرفة ذلك بحسب علمي، أما إذا كان المقياس عاماً فإني أتصور - وهذا مجرد انطباع - أن لكتاباتي بصمة واضحة ومميزة، وهذا ألمسه من خلال تفاعل القراء ومتابعاتهم.

حاجات مطلوبة

• ماذا يفتقد المثقف في البحرين؟

•• لا أتصور أن للمثقف البحريني حاجات خاصة، بل ما يحتاجه هو ما يحتاجه أي مثقف في أي مكان من العالم، وهو حرية الفكر، وحرية النشر، والاستقلالية، ودرجة عالية من المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع وقضاياهما، وهذه حاجات مطلوبة من الدولة ومن المجتمع ومن المثقف نفسه.

• هل تطلعنا على قصة المنع التي طالت أحد مؤلفاتك من قبل إدارة المطبوعات في البحرين؟

•• هذه قضية قديمة، وأنا أتصور أني وإدارة المطبوعات والنشر في البحرين تجاوزنا هذه المرحلة، وفتحنا صفحة جديدة.

وهناك في الحقيقة حالتان من حالات المنع التي طالت كتبي، واحدة كانت في العام 2008 حينما تحفظت إدارة المطبوعات والنشر في وزارة الإعلام البحرينية على إجازة طباعة كتابي «استعمالات الذاكرة في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ»، ثم عادت وأجازت طباعته ونشره بعد تفاعل كبير من قبل مسؤولين في الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والصحافة في البحرين.

وأنا الآن أستذكر لحظات استثنائية عشتها في هذا العام، لقد كانت حادثة المنع كاشفة، عن مدى ما كان يتمتع به المجتمع البحريني ومؤسساته من حيوية ومناصرة لحرية النشر وعدم مصادرته.

أما الحادثة الثانية فكانت في العام 2010، حين صدر كتابي «كراهيات منفلتة» في بيروت، فمنعت إدارة المطبوعات والنشر إجازة فسحه، ومنعت تداوله داخل مكتبات البحرين. وأتصور أن هذا لم يكن توجها رسميا من قبل الإدارة بقدر ما كان تصرفا فرديا من قبل هذا المسؤول أو ذاك الموظف. وأنا في طور اختبار هذه الحقيقة قريبا لأني في طور التعاقد مع دار نشر جديدة لنشر طبعة جديدة من هذا الكتاب «كراهيات منفلتة»، وستبدي لنا الأيام هذه الحقيقة، وهو ما أتمناه فعلا.

جماعية قمعية

• هل استطعت الخروج من خلال «خارج الجماعة» عن القولبة الجاهزة؟

•• كتاب «خارج الجماعة» يقدم قراءة نقدية لحالة اختزال البشر في انتماءاتهم الجماعية، وما يترتب على ذلك من ضغوطات على الأفراد بغاية تعميق انتمائهم إلى جماعتهم، الأمر الذي يمكّن الجماعات من الهيمنة على أفرادها والتعامل معهم كممتلكات خاصة، وهو يقود إلى ما أسميه في الكتاب بـ«الجماعية القمعية»، وفي هذه الحالة لا يصبح انتماء الفرد لجماعة ما مجرد خيار متاح بحرية أمام الأفراد، بل واجبا على الجميع الالتزام به، وعلى الجماعة عدم التهاون تجاهه.

المشكلة مع هذا النوع من الجماعية القمعية أنها تهدد باختزال الإنسان، وتقليص وجوده إلى كونه مجرد عضو في جماعة من الجماعات، بحيث يكون انتماؤه الثقافي أو الاثني هو عنوان هويته المفردة، ومحور وجوده كله.

إن مقاومة هذا النوع من الاختزال أو ما أسميتها أنت بـ «القولبة الجاهزة» هي موضوع كتاب «خارج الجماعة». كما أن مناهضة هذا النوع من الاختزال أو القولبة الجاهزة لا تعني حرمان الأفراد من حقهم في الانتماء إلى الجماعات التي يرتضونها، بل تعني أن من حق المرء أن ينتمي إلى الجماعة التي يريدها ويطمئن إليها، وتعني كذلك أن من حق المرء أن يبقى «خارج الجماعة» بحيث لا ينتمي إلى أية جماعة، كما أن من حقه أن يتعامل مع انتمائه الثقافي بمرونة تسمح له بالانتماء إلى أكثر من جماعة في الوقت ذاته، ومن حقه كذلك أن يقاوم ممارسات الاختزال التي تستهدف تقليص وجوده في انتماء مفرد ومعزول ومغلق إلى جماعة من الجماعات.

تجربة تحريرية

• توليت تحرير مجلة «أوان» ثم «ثقافات» و«مجلة العلوم الإنسانية» بجامعة البحرين، ماذا أضافت لك هذه التجربة؟

•• كانت «أوان» هي التجربة الأكثر ثراءً في مسار عملي في مجلات الجامعة، كانت «أوان» متخصصة في مجال قلما تجد مجلة عربية متخصصة فيه، وهو مجال مراجعات الكتب، وهذا جعلني في احتكاك دائم مع الكتب، ومتابعا نهما لكل جديد في عالم الكتاب عربيا وغربيا، وهي تجربة غنية في حياتي وأدين لها بفضل كبير في تعميق علاقاتي بمعظم المثقفين العرب من المغرب حتى الخليج.

كما أن «أوان» هي أول تجربة لي مع مهنة التحرير، وهي مهنة مهمة لكل كاتب لما فيها من صقل يومي لأدواته في الكتابة. ثم إن «أوان» هي أول مشروع مشترك بيني وبين صديقي المرحوم محمد البنكي الذي اختطفه الموت مبكرا.

و«مجلة العلوم الإنسانية» مجلة علمية محكمة ورصينة وطابعها أكاديمي بحت، ولهذا تجد غالب من ينشر فيها من الأكاديميين الذين ينشرون لأغراض الترقي الأكاديمي كهدف أساسي ووحيد تقريباً.

مع «مجلة العلوم الإنسانية» كان علي أن أتواصل مع نوعية مختلفة جدا من الباحثين، وهم في الغالب أساتذة الجامعات، كما كان علي أن أتعامل مع نوعية مختلفة من الأبحاث لم أكن على وفاق مع معظمها لما فيها من نزعة علموية مبالغ فيها، إلى درجة أني كنت أشعر أن ما يهم في كثير من هذه الأبحاث لم يكن قيمة الموضوع بقدر ما هو التمسك بشكليات البحث العلمي وطريقة توثيق الاقتباسات وترتيب مصادر البحث ومراجعه.