الدولة الوطنية الحديثة لا يهمها كيف يفكر الأفراد غالبا بل كيف يتصرفون، والمواطن في الدولة الحديثة أفكاره له بينما سلوكه للمجتمع وتلك هي الخانة التي تديرها الدولة وتقيم من أجلها المؤسسات وتضع من أجلها الأنظمة والتشريعات.

هذا السلوك يشمل كل أداء يؤثر في الآخرين وفِي حياتهم اليومية؛ حين تقود سيارتك أو حين تقف خطيبا على منبر أو حتى حين تكتب في أي من وسائل التواصل الاجتماعي.

في الواقع لا يدرك كثيرون من المأخوذين بعناوين الحقوق وحرية التعبير الفرق بين النظام والعدل وحفظ السلم الاجتماعي وبين ما يرونه تقييدا لحرية التعبير، ومثلما أن السلوك اليومي للأفراد يؤثر في حياتهم بشكل تبادلي يحتاج معه لقانون يديره ويحفظ مصالح وحقوق جميع الأطراف فإن للتعبير أيضا حدوده ومساحاته التي يجب أن يديرها القانون ويحمي حقوق جميع الأطراف (لا يمكن لأحد أن يحرض على إيذاء آخر بحجة أن ذلك تعبير عن الرأي).

لقد اتجهت الدولة مبكرا عبر مختلف مؤسساتها لإدارة وضبط وتنظيم السلوك العام كما يحدث في كل بلدان العالم وهذه أبرز وظائف الدولة وأهم واجباتها، إلا أن دائرة مهمة جدا ظلت غائبة عن الضبط التام وتفتقر لتوجه حقيقي يستوعب أولا خطورة تركها دون تنظيم وضبط وهي الدائرة التي يمكن لنا أن نطلق عليها: دائرة التأثير العام.

تشمل هذه الدائرة جوانب تتعلق بالأفكار والانطباع والتوجه الفكري العام للمجتمع، وقد شهدت تحولا كبيرا في شكلها وحجمها، ففي السابق كانت المنابر المؤثرة في الوعي العام منابر محددة واضحة يمكن ضبطها: صحافة وتلفزيون وإذاعة ومنابر ومدارس وغيرها من المنابر التقليدية التي كانت تقوم بوظيفة الإرسال، بينما يقوم المجتمع بوظيفة الاستقبال، التحول الكبير حدث حينما اتسعت وتعددت المنابر والوسائل وانتهى زمن المؤسسات المنبرية المحددة لصالح زمن المنابر الفردية المتعددة التي لا يمكن ضبطها بسهولة، تستطيع أن تحدد مسارا للصحيفة وللقناة التلفزيونية والإذاعة ولكنك لا تستطيع ذلك مع الأفراد الذين باتوا يمتلكون وسائل تأثير متنوعة، وأصبحت وظيفة الإرسال بعد أن كانت نخبوية فئوية أصبحت عامة وشعبية للغاية وأصبحت تخدم كثيرا من الخطابات غير المدنية التي لم يكن للمؤسسات الإعلامية الرسمية أن تقدمها للمجتمع، (القبلية والعنصرية والطائفية خطابات باتت حاضرة في وسائل الإعلام الجديد، وباتت خطرا حقيقيا يجب مواجهته).

هنا يأتي دور التنظيمات والتشريعات الجديدة التي تصنع إطارا واضحا ومنظماً لكل عمليات التأثير في الوعي العام وباتجاه حمايته من أن يكون هدفا للتأجيج والصراع والتحريض.

الخطابات التي لديها ممانعة ضد الضبط والنظام هي تلك التي تتكئ على معطيات مؤثرة اجتماعيا، أول تلك الخطابات هو الوعظ والإرشاد الديني وبخاصة ذلك القائم على الإنكار، يستند هذا الخطاب على شرعية ذات قبول اجتماعي ويقدم نفسه على أنه ينطلق من مرجعية يجب أن تهيمن على كل الأنظمة ولها الكلمة الفصل وهي المرجعية الدينية، وطالما تسبب ذلك في اتساع خطابات التحريض والعنف والتأجيج ضد الدولة والمجتمع والحياة المدنية، ذلك أن الخطاب الوعظي هو في النهاية آراء واجتهادات، إلا أنها تكتسب التأثير الاجتماعي من شكلها الديني الشرعي.

التحول الكبير الذي نشهده الآن يمكن الاستدلال عليه بجملة مهمة ومحورية باتت تتردد كثيرا في بيانات أمنية ورسمية وهي: الحفاظ على السلم الاجتماعي.

لطالما كان الإنكار ورفض الاختلاف والتحذير والرفض المطلق لكل جديد والتخويف من المرأة والانفتاح والحياة المدنية أبرز عناوين المنابر الوعظية، وطالما بات ذلك الأداء مهددا حقيقيا للسلم الاجتماعي الذي يعد الاختلاف والتنوع أبرز وأهم مظاهر ذلك السلم.

إذا كان قانون مكافحة التحرش (طالما رفضه الوعظ) حدثا مهما في ضبط السلوك العام باتجاه حياة أكثر مدنية وانتظاما، فإن حماية السلم الاجتماعي وضبط عمليات التأثير العام في المجتمع هي الطرف الأهم في معادلة الاستقرار الوطني.

yameer33@hotmail.com