أتيح لي في الأسبوع الفائت أن أطلع على الأعمال الفنية للدكتورة صباح حسين أبوزنادة.. نعم الدكتورة صباح حسين أبوزنادة المثيرة للجدل ما غيرها، من قامت بإعداد المعايير الخاصة بالجودة الصحية ومن قامت بإعداد معايير اعتماد المؤسسات التعليمية الصحية ومناهج التعليم والتمريض والحاصلة على درجة الدكتوراه في إدارة التمريض من أمريكا والمستشارة غير المتفرغة لمنظمة الصحة العالمية للتمريض وممثلة السعودية في هذا المجال.. كانت تلميذتي ثم أصبحت زميلتي ثم مستشارتي في مجال التمريض.. قررت أن تنضم مؤخراً إلى مقاعد المتقاعدين.. تقاعدت ولم تدفن رأسها تحت لحاف دافئ كطائر أخنى عليه الريح والصقيع، بل فتحت للأمل الباسم ألفي بوابة.. جعلت من التقاعد رفا ناعسا خادرا من وسن كي تصل إلى ذروة النور.. والنور إذا رش العينين جعل العينين لا ترى سوى الضياء، أوقدت العمر شموعاً وحرقت الوقت مباخر وجعلت من الزمان ربيعاً غضاً ومن القماش جنة جديدة فوق الثرى المعشوشب يطل من أصابعها الزروع ويصنع كفها أنهاراً من جبين النور.. اتجهت للرسم تحولت من خبيرة في علم التمريض عاكفة على مرضاها فوق الأرض إلى ملاك يطير بجناحيه فوقها، ناداها روح الفن لكن جسدها ظل مع أفئدة مرضاها وجروحهم.. وكم من خبير في علاج الألم تحول إلى فنان «الدكتور سامي أحمد مرزوقي طبيب التخدير الأشهر من عندنا وناجي وجو تفريد بن من عند غيرنا»، الحكمة الإغريقية أكدت أن أنجح زواج في التاريخ كان تزاوج الفكر والفن.. والفن ولد على يد الدكتورة صباح ولادة طبيعية لم يخرج بعملية قيصرية أو بالتلقيح الصناعي، معذرة إن كنت قد انزلقت إلى أرض الطب «يموت الزمار وأصابعه ترقص»، شاهدت نماذج فنية رائعة وهي تقف بي أمام لوحاتها ضربة رئش فنانة وسحبة معلمة وألوان زاهية ناطقة نماذج تكاد تنطق وألوان مختارة منسجمة كانت تشرح لي الخفايا الفنية بإتقان بالغ فتكشف لي عن مواطن الجمال، شعرت وهي تشرح لي بنقص ثقافتي العامة فأنا لا أفهم الفن ولا أستطيع التمييز بين لوحة فنية رائعة وأخرى عادية بل ربما أعجبتني اللوحة الفنية العادية بألوانها الصارخة وحكمت لها بالفضل على اللوحة الرائعة، هذا الضعف في ثقافتي الفنية ليس وقفاً علي وحدي وإنما يشاركني جيلي الذي ليس مسؤولا بالدرجة الأولى عن هذا الضعف، فقد أهملت المدارس التي نشأنا فيها الجانب الفني فنشأت كما نشأ الكثيرون غيري ونحن أبعد ما نكون عن تذوق القيم الفنية وتقدير ما فيها من روعة وجمال.. وما أقوله عن فن الرسم أقوله عن فن التصوير والنحت وكذلك الموسيقى والسينما والمسرح، فنحن لم ننعم بثقافة موسيقية فنية.. ولذلك ترانا نعجز عن تقدير الروعة في معزوفات شوبان وبتهوفن وموزار العالمية.. وما أكثر الليالي التي قضيتها نائماً في قاعة الأوبرا في «فينا» على أنغام الفنانين العالميين عندما كانت تصحبني حماتي «مي دينك» رحمة الله عليها، فيفضحني شخيري ويثير ضحك المستمعين وغضب وسخط حماتي.. أدعوكم إلى الفن وإلى تبني وتعهد الفن، فالحياة صحراء قاحلة واحتها الفن.

fouad5azab@gmail.com