بشير الزويمل (حائل)
حين يذكر اسم «العليا» يتبادر إلى ذهنك مباشرة أحد أرقى الأحياء في العاصمة الرياض، بعد أن أسماه أحد أبناء حائل في الثمانينات الهجرية، عندما كان يعمل في وزارة الشؤون البلدية والقروية في الرياض، وشارك في لجان تسمية شوارع العاصمة، وجاءت التسمية نسبة إلى حي العليا في حائل، الذي يعود تاريخه إلى ما قبل 250 عاما، إلا أن «عليا حائل» أضحى منسيا متهالكا بعد أن تحول إلى مرمى نفايات وباتت منازله الطينية التراثية آيلة للسقوط، فغدت أوكارا للعمالة المتخلفة ومروجي المخدرات ومرتعا للحيوانات الضالة.

رغم وجود حي العليا في قلب المنطقة التجارية وسط مدينة حائل ومجاورته سوق برزان الشعبية إحدى أبرز الأسواق التجارية، إلا أنه شوّه المنطقة وسط تساؤل من الزوار عن سر إهمال الجهات المعنية لهذا الحي، الذي يحوي كنزا من كنوز التراث العمراني الثمين، إلا أن أمل أهالي الحي يبقى قائما في إيجاد حلول لوضع الحي، إما بترميم ما يمكن ترميمه حتى يبقى الإرث شاهدا على ذلك العصر العتيق والجميل، أو إزالة الأوكار وتحسين وتهذيب الحي ليبقى واجهة مشرفة للمنطقة.

إهمال وامتعاض

«عكاظ» تجولت في أرجاء الحي والتقت عددا من الأهالي وملاك المنازل الطينية المتهالكة مبدين امتعاضهم من الإهمال الذي طال حيهم لأكثر من 30 عاما؛ إذ يؤكد مشعل بن زامل السبهان، أحد ملاك المنازل القديمة في «العليا»، أن الحي من أقدم أحياء حائل التراثية ويحوي كنوزا من التراث العمراني، لكنه للأسف أهمل من قبل الجهات المعنية وضاع بين ركام النفايات، ويضيف السبهان: لا نستطيع الاستفادة من المنزل حتى لو أزلناه؛ لأن الشوارع فيه ضيقة جدا ولا يصرح لنا من قبل الأمانة في استثماره كمحلات تجارية بحكم توسطه المنطقة التجارية، موضحا أنه قبل أكثر من 20 عاما كان هناك توجه من قبل بلدية حائل ـ آنذاك ـ لتوسعة شوارع الحي باقتطاع أجزاء من المنازل وتعويض ملاكها قطعا سكنية في حي النهضة جنوب حائل، ووافق جميع الأهالي على ذلك، وأكملت إجراءات التعويض، لكن فجأة توقف الموضوع ولا نعلم عن الأسباب.

وأبان السبهان أنه يجب النظر في حال الحي وعدم الإبقاء عليه بهذا الحال، وجعله بؤرة فساد ومرتعا للحيوانات وملجأ للعمالة بعد أن هجره الكثير من أهله، مفضلا أن تقوم الأمانة بتوسعة الشوارع واقتطاع جزء من المنازل وتعويض أصحابها قطعا سكنية خارج الحي والاستفادة من بقية البيوت بإزالتها واستثمارها كأسواق تجارية بحكم موقعها أو تحويلها إلى تراث شعبي لما تملكه من كنوز أثرية.

ملاذ للمجرمين

من جهته، قال عبدالله الفايز ـ أحد المستثمرين قرب الحي ـ أن «العليا» له تاريخ أثري قديم، والمنازل الطينية الموجودة فيه يجب أن لا تهمل بهذا الشكل الذي أصبح يشكل خطرا على أهالي الحي الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة؛ فغالبيتهم هجروا الحي بسبب ما يعانونه من مشكلات وتهالك المباني وسقوط الكثير منها، حتى تحولت إلى ملاذ للمجرمين ومستودعات للممنوعات ومأوى للعمالة الذين نشاهدهم بشكل مستمر وهم يرتادون هذه المنازل المهجورة، وأوضح الفايز أن نسبة الحرائق ارتفعت وأصبحت شبه متواصلة خلال الأيام الماضية وتحديدا في البيوت المهجورة، ما سبب أضرارا جسيمة للقاطنين في الحي وللمحلات التجارية المجاورة لتلك البيوت، رافضا وتيرة الإهمال السائدة وترك الحال على ما هو عليه، وأن الحل يكمن في إزالة تلك المنازل من قبل أمانة حائل وتوسعة شوارعها وتحويلها إلى منطقة تجارية يستفيد منها الملاك.

قرية تراثية

من جانبه، أوضح عادل الجميل أنه يجب الحفاظ على تراث المنطقة وعدم طمس معالمها التاريخية، وقال إنه من الخطأ هدمها وإزالتها، وأضاف: أقترح وأؤيد تحويل هذا الحي الأثري إلى قرية تراثية ويتم نزع ملكية المنازل من قبل الهيئة العليا للسياحة والتراث الوطني؛ كونها جهة تهتم وتحيي تراث المناطق، على أن يتم تكوين لجنة من عدة جهات حكومية لدراسة وضع البيوت وكيفية تثمينها ومناقشة أصحابها والاتفاق معهم، سواء بتأجيرها رمزيا على الهيئة أو تثمينها، لتستثمر كمعارض تراثية وأسواق قديمة أو نزلا بيئية طينية على الطراز التراثي القديم وتخصيص أسهم لأصحابها من الريع المنتج منها.

وأكد الجميل أن دراسة الموضوع بشكل دقيق وجدّي سيحقق نتيجة إيجابية رغم صعوبة الخطوة، وأن إزالة هذا التراث يعني مسح جزء من تاريخ المنطقة، فتخطيطها لتكون منطقة سكنية أمر صعب لضيق الشوارع والتي لا تتجاوز المترين والسيارات لا تستطيع السير فيها، لافتا إلى أنه في حالة تحولت «العليا» لمنطقة أثرية سياحية سيرتادها السياح من مختلف أرجاء العالم، خصوصا المهتمين بالتراث، فالسياح من الدول الغربية مشغوفون كثيرا بمثل تلك المعالم التراثية، ولو كانت في بلادهم سيبدون اهتماما كبيرا، فهناك فنادق طينية خمس نجوم في المغرب والسودان وبعض الدول الغربية، وتشهد إقبالا كبيرا؛، لذا يجب الحفاظ على التراث الثمين الذي يملكه هذا الحي.

حل جذري

ويوافق مشاري المشاري سابقيه، في ضرورة إيجاد حل للإشكاليات التي تغطي هذا الحي، سواء باستثماره عن طريق الهيئة العليا للسياحة والتراث الوطني وترميمه ليكون قرية تراثية وواجهة للمنطقة، وهو الحل الأفضل للحفاظ على تراث المنطقة من الضياع، وقال المشاري إن بقاء الحي على وضعه الراهن يشكل خطرا كبيرا، سواء للأهالي الذين ما زالوا قاطنين في الحي أو الأحياء المجاورة، مطالبا أمير المنطقة والمسؤولين في أمانة حائل بالتدخل لحل المشكلة التي باتت تشكل ذعرا لأهالي الحي وبأي طريقة كانت، وأضاف: نقف عونا بجانب المسؤولين لإيجاد الحل المناسب لمشكلة هذا الحي والاستفادة منه بما يخدم العليا وسكانها.

دراسة معطلة

ومن الجانب الرسمي، أوضح مدير عام فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في منطقة حائل المهندس فيصل مدني، أن حي العليا ضمن أحياء حائل القديمة التي تم عمل دراسة خطة لتنميتها سياحيا؛ إذ وضع لها تصور أولي للتطوير، مشيرا إلى أن الملكيات الخاصة بالموقع وأنظمة نزع الملكية من قبل أمانة منطقة حائل أدت إلى تأخر تنفيذ الدراسة، موضحا أن الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني تولي اهتماما كبيرا بالمنازل التراثية وتم إصدار قرار سام بعدم إزالة أي أملاك تراثية، إلا بعد العودة إلى هيئة السياحة.

وحيال استثمار الأحياء القديمة لتكون قرى تراثية، قال مدني إن الهيئة طرحت عدة دراسات لفرص استثمارية (فندق تراثي، مقهى ومطعم تراثي، متحف) مع دراسات للجدوى الاقتصادية واستثمارها من قبل القطاع الخاص، وتم بالفعل استثمار بعض المباني المحدودة ويجري تحفيز العديد من المستثمرين للاستثمار في هذا المجال، مبينا أن الهيئة تدعم فنيا ولوجستيا في ترميم وتشغيل هذه المباني.