نعيم تميم الحكيم ، زياد الفيفي ، «عكاظ» (جدة)
فيما سطع نجم حاملي الحقائب الوزارية «الخدمية» على مواقع التواصل الاجتماعي، ارتأى آخرون النأي عن الاصطدام بالجمهور عبر التواصل المباشر وانزوى خلف كتيبة السكرتارية في مكتبه. الفضاء الرقمي وتحديدا، موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، أحد أكثر المنصات التي يتواجد فيها السعوديون، غاب عنه وزراء العدل، والشؤون البلدية والقروية، والشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، وذهبت وزارة الشؤون الإسلامية إلى ما هو أبعد من التواري عن مواقع التواصل الاجتماعي، إذ لا يوجد حساب لوزيرها إلا حساباً لأحد طلاب صالح آل الشيخ مهتم بنشر دروس ومحاضرات تتخللها بعض يوميات الوزير.

تبدو أن السمة المشتركة بين الوزراء في مواقع التواصل الاجتماعي عدم متابعتهم حسابات مواطنين من غير المسؤولين الكبار في الحكومة إلا في حالات نادرة، ما يفتح تساؤلات عن كيفية معرفة الوزراء لما يدور في أذهان الشارع الذي يرى مراقبون في مواقع التواصل حالة من حالات الانعكاس له، وبدت مقولة «يقرأون لأنفسهم» هي الأقرب لتوصيف فاعلية الوزراء في «تويتر»، غادر وزراء سابقون الكرسي الوزاري ولا تزال مشاركاتهم ضعيفة في الموقع، حتى أن عادل الطريفي (وزير الثقافة والإعلام السابق) لم يغرد منذ يوم إعفائه.

ويرى المختص في النقد والنظرية ياسر البهيجان في حديثه إلى «عكاظ»، أن حسابات الوزراء في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» لا تمثل حسابات شخصية بالمعنى الصحيح لأن من يدير معظمها هي المراكز الإعلامية في الوزارات. وأشار إلى أن عدم قيام الوزراء بأنسفهم على حساباتهم حولتها إلى رسمية بحتة خالية من أي تفاعل مع الجمهور.

الكل يبحث عن الوزير



ودشنت وزارات حسابات فرعية مختصة بخدمة العملاء، لكنها هزمت أمام وزرائها في سباق جذب المتابعين وتلقي التفاعلات، ففي كل التجارب التي قدمتها الوزارات تفوق الوزراء على أقسام «خدمة العملاء» في عدد المتابعين «باستثناء وزارة البيئة والمياه والزراعة» مع أن تلك الحسابات الفرعية تتفاعل أكثر من الوزراء، بناء على عدد التغريدات، ما دحرج السؤال عن مدى ثقة المواطنين بأقسام خدمة العملاء، وما الذي يدفعهم إلى التوجه صوب رأس الوزارة مباشرة.

ويرى خبير التواصل الرقمي هاني الغفيلي في حديثه إلى «عكاظ» أن المباشرة في التواصل مع صاحب الشأن، بعيدا عن «روتينية المؤسسات» هو طبيعة شبكات التواصل الاجتماعي، مستشهدا بتجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والإقبال على ما يطرحه، مقارنة بما يطرحه حساب البيت الأبيض «الرسمي».

وأشار إلى الطبيعة التفاعلية الرقمية في التواصل الاجتماعي، والتي نجحت في كسر التراتبية الجامدة في المؤسسات، مضيفا «هي من تجعل من التواصل مع أعلى الهرم سمة رئيسية لها».

ويبدو حضور الوزراء في «تويتر» ارتبط ببناء شعبية عريضة لهم، إذ ينحصر التنافس على ما يمكن تسميته بـ «نجومية الوزراء» بين وزير الصحة توفيق الربيعة ووزير الخارجية عادل الجبير -بناءً على عدد متابعي الوزراء-، كما أن عوامل أخرى لا يمكن التغافل عنها كأهمية الوزارة في جدول الاهتمامات اليومية، بيد أن «تويتر» استطاع أن يجمع التناقضات ويغيب المنطق في عدد كبير من الأرقام.

وينعكس مدى تفاعل الوزير على عدد متابعيه، إذ إن المتحدث الرسمي لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية خالد أبا الخيل يتابعه أكثر من وزير العمل نفسه بأكثر من 136 ألف متابع، كما أن حساب الوزارة يتفوق على وزيرها بأضعاف، إذ يتابع حساب «العمل والتنمية الاجتماعية» أكثر من مليون و46 ألف متابع، في حين لا يتابع الوزير سوى 55 ألفا.

ويعتبر وزير الصحة توفيق الربيعة الأوفر حظاً بعدد المتابعين. إذ يتفوق على وزارته نفسها التي تملك أكثر من 2.96 مليون، ما يضع الربيعة على عرش أكثر الوزراء «متابعة» بين نظرائه الآخرين.

في حين يحتل وزير الخارجية عادل الجبير المركز الثاني في قائمة الوزراء الأكثر متابعةً بأكثر من مليوني متابع، وهو رقم كبير، مقارنة بعمره في العالم الافتراضي الذي لا يتجاوز العامين، إذ نجح الجبير في القفز بعدد متابعي وزارته إلى 1.47 مليون.

ويرى أستاذ الاعلام والاتصال في جامعة الملك خالد عيسى المستنير في القفزة التي حققها الجبير على «تويتر» تمتع وزير الخارجية بصفات كاريزمية، مشيراً إلى أن الربيعة نجح في توظيف منصة «تويتر» لصالح تسويق إنجازات وزارته هو السبب الرئيسي الذي خلق له الرضى على ذات المنصة. وكانت وزارة التجارة والاستثمار إبان رئاسة توفيق الربيعة أنشط مؤسسة رسمية تتعامل مع «تويتر» كمنصة نشر يوميات الوزارة ومنجزاتها وهذا ما خدمها تسويقياً، عكس وزارات أخرى كانت هذه المنصة أكبر أعدائها، إذ تحولت بالنسبة لها لمنصة نشر زلات الوزراء، بحسب عيسى المستنير.

ويملك حسابا وزارة التعليم «عام-جامعي» مجموع متابعين يصل إلى مليونين و554 ألفا، مقابل 892 ألفا يتابعون حساب وزير التعليم أحمد العيسى، محتلاً بذلك المركز الثالث في سلم الوزراء الأكثر متابعة.

ويأتي وزير الاقتصاد والتخطيط عادل فقيه في المركز الرابع في عدد المتابعين بواقع 420 ألف متابع، وهو رقم كبير، إذ إن وزارته ليست من ضمن الوزارات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، كما أن تفاعله ضعيف، لكن ربما تسلمه حقيبتي «العمل والصحة» قبل وصوله لمحطة الاقتصاد والتخطيط دفعه إلى قائمة أكثر الوزراء متابعة.

ويليه في الترتيب مباشرة وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية خالد الفالح بواقع 370 ألف متابع بفارق كبير عن وزارته، التي لم يتجاوز عدد متابعيها حاجز الـ 35 ألفا.

وبأكثر من 209 ألف متابع يحتل وزير التجارة والاستثمار ماجد القصبي الترتيب السادس، في حين تملك وزارة التجارة والاستثمار نحو 1.6 مليون، ويأتي وزير الإسكان ماجد الحقيل كآخر وزير فوق حاجز المئة ألف بـ 112 ألف متابع، وقد يعزى سبب قلة عدد متابعيه مقارنة بالوزراء الآخرين هو امتلاك الوزارة لعدد كبير من الحسابات الفرعية «الدعم السكني-الأراضي البيضاء-إيجار-اتحاد الملاك-البيع على الخريطة-خدمات المطورين» وغيرها من الحسابات التي تتقاسم متابعي الوزارة حسب اهتماماتهم.

وفي ثلاثة أشهر، تابع وزير الثقافة والإعلام الجديد عواد العواد -الذي تسلم وزارة الإعلام ذات الـ 362 ألف متابع- 59 ألف متابع.

ويسجل وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبدالله السواحة رقماً جيداً في أعداد المتابعين (49 ألفا)، ويبدو أن تفاعله المرضي، وقرارات وزارته الأخيرة فيما يتعلق بفك الحجب عن تطبيقات الاتصال الصوتي زادت من أعداد متابعيه، حتى أن يتواصل مع عدد من متابعيه عبر الرسائل الخاصة.

فيما يتابع وزير المالية محمد الجدعان 37 ألف متابع، والمفارقة هي أن الوزير نجح في جمع هذا العدد من المتابعين بتغريدة واحدة فقط، كتبها لحظة تدشين الحساب في نوفمبر 2016.

ولا يليه عبدالرحمن الفضلي بفارق كبير، فوزير البيئة والمياه والزراعة الذي دشن حسابه في أبريل 2016 لا يملك أكثر من 34 ألف متابع، في حين أن حساب «العناية بالعملاء» الخاص بالوزارة يتفوق عليه بواقع 108 ألف متابع وهي المفارقة التي تميزت بها وزارته، إذ إن تجارب الوزارات الأخرى لحسابات العناية بالعملاء لم تنجح فيها هذه الحسابات بالتفوق على وزرائها في أعداد المتابعين إلا في هذه التجربة فقط. وتؤكد «عكاظ» أن أعداد متابعي في تحديث مستمر، إذ تشهد أغلب حسابات الوزراء في الـ48 ساعة تحديثات كبيرة في عدد المتابعين، رغم جمود بعضهم في «تويتر».

وتماشيا مع مقولة انعكاس المزاج السعودي على «تويتر» -رغم عدم دقتها-، فإن جولة سريعة في حسابات الوزراء، تمكن الباحث من تقييم مستوى رضا الجمهور المستهدف لكل وزارة، فردود الأفعال على تغريدات الوزراء أو ما يعرف بـ «المنشن» يمكن أخذها على محمل الجد، فوزير الإسكان ماجد الحقيل ووزير التعليم أحمد العيسى يواجهان انتقادات شديدة في حسابهما.

وأضحى التواجد في مواقع التواصل الاجتماعي لحاملي الوزارات الخدمية ضرورة ملحة كما يراها خبير التواصل الاجتماعي خالد آل خضر، الذي انتقد غياب بعض الوزراء وعدم تفاعلهم مع متابعيهم.

ضرورة التفاعل



ويقول آل خضر لـ«عكاظ» «الحضور في منصات التواصل أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، فطبيعة التواصل الرقمي ألغى إمكانية اقناع المواطن بالتزام التواصل التقليدي مع المسؤول، إذ أصبح أسلوب التواصل الرقمي هو الأكثر مباشرة لذا وجب على المؤسسات الرسمية ان تتماهى مع هذا التحول». وعن الحضور الذي يشبه الغياب، يشدد آل خضر على ضرورة أن يصاحب الحضور تفاعل مع المتابعين «الحضور بحد ذاته غير كاف».

يختلفون ويتفقون



لم تكن آراء المختصين في الإعلام الرقمي الجديد على وجهة واحدة حيال تفاعل الوزراء مع المجتمع في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، إذ انقسمت الآراء بين فئة ترى أن حساب الوزير شأن خاص لا علاقة له بموضوع التفاعل، في ظل وجود حسابات خاصة للوزارة يمكن من خلالها طرح الاستفسارات. فيما ترى الفئة الأخرى أن عدم تفاعل الوزير دلالة واضحة على القصور من جهة، وعدم إدراك لقيمة مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت في الآونة الأخيرة لوسيلة من وسائل التواصل مع الجمهور الخارجي.

وجهة النظر هذه تبناها المختص بالإعلام الرقمي سلطان الشيباني الذي أشار إلى أن الحساب الشخصي للوزير يمثل قناة تواصل رسمية مع الجمهور الخارجي بحكم المنصب، إضافة للحساب الرسمي للوزارة. ورأى الشيباني عدم تفاعل الوزراء مع الجمهور في حسابه بتويتر أنه قصور، خاصة إذا كان التجاهل لشكوى من قبل مراجع، بدلا من البحث عن حل لها ومحاسبة المقصرين. وخلص سلطان إلى أن فكرة الوعي بأهمية شبكات التواصل، وأنها الوسيلة الأكثر فعالية وتأثيرا مازالت تعاني من قصور في ذهن المسؤول.

في حين تبنى وجهة النظر الأخرى المختص في الإعلام الجديد أبجاد النوفل الذي يرى أن عدم تفاعل الوزير أمر شخصي، في ظل وجود المتحدث باسم الوزارة، وظيفته التواصل مع المراجعين وحل إشكالاتهم، مع وجود صفحة خاصة لكل وزارة تقريبا. وأضاف النوفل أن الوزير لو تفاعل بشكل شخصي أو عن طريق فريق متخصص، فهذه تحسب له بأنها مبادرة منه للتعرف على حاجات الجماهير بشكل أوسع ومعرفة انطباعاتهم عنها لتجويد الخدمة المقدمة لهم.