بعد صدور قانون التحرش الأسبوع الفائت على يد الملك الحازم سلمان بن عبد العزيز للحفاظ على الآداب العامة بين أفراد المجتمع وتحقيق الأمن للجميع، خاصة ممن قد يتم التنمر عليهم من قبل بعض فئات منفلتة تظن أنها قادرة على فرض سلوكها وسيطرتها وإرادتها على الضعاف ومكسوري الجناح من الأطفال والنساء والأيتام لأنها أقوى بنية أو جنسا.

عند الحديث عن دولة القانون والحداثة فإنه من غير الممكن أن تقوم دون أن تستند إلى مجموعة من الأنظمة الحاكمة التي تهيمن على سلوك الناس وتضبط إيقاعهم.

لقد أصبح مهما جدا سن قانون يحمي المواطنة، موجه ضد سلوكيات عنصرية وتمييز ربما تصدر من فئات أو طبقات اجتماعية ضد أخرى، فالسلوك العنصري والفئوي والتمييز الديني أو المذهبي ليس خاصا بالمملكة، بل هو سلوك بشري موجود في العالم أجمع منذ خلق الإنسان وحتى اليوم، ألم يقل النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم «لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى».

هو سلوك لا يهدد الأفراد فقط، بل يهدد الدول ومستقبلها ويهيئها لما هو أسوأ لا سمح الله، وهو البيئة الخصبة لنشوب الاحتراب والنزاعات والاضطرابات.

لكن يجب أولا تحديد العنصرية، فهي في الغالب لا تأتي من جهة واحدة بل هي مرض ذو اتجاهات متعددة، فحتى الفئات التي تتعرض للعنصرية تخلق عنصريتها الخاصة، إما للدفاع عن نفسها أو للانتقاص من غيرها.

بالتأكيد هو أمر غير مبرر، فعند التضرر لا يمكن للسلوك العنصري أن يدافع عنك بل يعطي مزيدا من المبررات للعنصريين للهجوم عليك.

ولنمر على عجالة كيف استطاعت دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية القضاء على العنصرية ضد السود على سبيل المثال، وهي الفئة التي عانت كثيرا طوال عقود من اضطهاد ممنهج مارسه المجتمع بمعظم مكوناته.

عاش السود ضمن مجتمعهم الأمريكي محملين بإرث العبودية والاضطهاد، وفي الدرجة الثانية أو ربما أقل من ذلك، خصصت «الولايات» التي فرضت أعتى أنواع العنصرية للسود مقاعد خاصة في الحافلات والمطاعم، ومداخل خلفية للأندية والأسواق، لكي لا يخدشوا حياة البيض؛ لأنها لم تكن تنظر للسود إلا أنهم أقل ذكاء وقدرة من العنصر الأبيض.

فماذا فعلت أمريكا للخروج من ذلك النفق المظلم، كان الأهم بالطبع الاعتراف بحجم المشكلة وسن القوانين الصارمة التي تعد العنصرية جريمة بحق الوطن كله، وكذلك تغيير أي قانون أو عرف يحرم فردا أو جماعة من الحصول على حقوقها نتيجة لونها أو معتقدها أو أصولها.

ثانيا انخراط المجتمع بكافة أطيافه في مشروع المواطنة، وبالذات مؤسسات المجتمع المدني التي ساهمت بأشكال متعددة في تذويب الفروقات وهدم الأسوار بين الطبقات الاجتماعية مهما كانت.

كان للإعلام والدراما والسينما الأمريكية السبق والريادة في ذلك، فأسست لثقافة جديدة مبنية على الشراكة بين الأبيض والأسود خيرا كان أم شرا، ومتساوين في القرار والنتيجة.

بدأ ذلك من منتصف الثمانينات تقريبا عندما صُعدت المواهب السوداء لسقف النجومية، مطربين ولاعبين وممثلين ونجوم سياسة ورجال أعمال، الأمر الذي انعكس على الموقع الاجتماعي للكثير منهم، وارتفاع للتدفقات المالية للمجتمع الأسود، محدثا نقلات كبرى في حياتهم، والذي توجه وصول رئيس أمريكي لسدة الرئاسة العام 2008 بعد ذلك بـ20 عاما فقط.

بالتأكيد أن العنصرية أو خدش اللحمة الوطنية في بلد كالسعودية ليست عملا ممنهجا، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها سلوكا عاما، لكن من الضروري وضع القانون ووضع العقوبات الصارمة لحماية مستقبلنا.

فدول مثل سورية والعراق انزلقت للمجهول بسبب استقواء طائفة ضد أخرى، وممارسة الأحزاب المتطرفة سلوكا طائفيا وعنصريا شبه مقنن.

المملكة بتاريخها الطويل نظرت للجميع من باب المساواة وبعين العدالة، لكن بعض سلوكيات فردية ربما تصدر ضد مكونات مختلفة تسبب إرهاقا مستمرا لها، وهي تشعر بذلك ما قد يولد ردة فعل صامتة أحيانا، أو تعبر عنها بأشكال مختلفة.

ولقطع الطريق على من يحاول خلق الفتنة الطائفية والعرقية في بلد كبير كالمملكة زاخر بالتنوع الثقافي سيكون من المجدي دوما رمي مثل هذه السلوكيات خلفنا والمضي نحو دولة عصرية متمدنة من خلال سن قانون يحمي ويضبط ويعاقب أي ممارسة أو قول.