بعد أن ذهبت سكرة الاحتفال بقرار السماح للمرأة بقيادة السيارة لا بد أن نفكر لماذا كان القرار خبراً عالمياً، وما الذي جعل رؤساء دول وحكومات ومنظمات عالمية يهنئون المجتمع السعودي. السبب الحقيقي كما يبدو ليس في موضوع السماح بقيادة السيارة لذاته، وإنما في ملف تمكين المرأة وحضورها ومشاركتها عموما، والذي كانت مشكلة القيادة أبرز تجلياته بسبب الزخم الإعلامي الذي رافقها داخليا وخارجيا لفترة طويلة.

يوم صدور القرار تم تعيين السيدة فاطمة باعشن ناطقا رسميا للسفارة السعودية في واشنطن، وقبل أيام من صدوره طرحت بعض عضوات الشورى موضوع تمكين المرأة من شغل مناصب عليا في الدولة كوزيرة أو نائبة وزير، وقدمن إحصائية توضح النسبة الضئيلة جدا لوجود المرأة في وزارات يفترض أن يكون وجودها فيها غالباً أو متساويا مع الرجل على الأقل. أما إذا نظرنا الى حضور المرأة خارجيا في السفارات والبعثات الدبلوماسية والملحقيات فإنه حضور نادر ورمزي وفي مواقع هامشية، أي كأنها غير موجودة عملياً. هذا الغياب الداخلي والخارجي هو الذي أعطى مدخلا للآخرين من الخارج للدخول إلى ساحة قضايانا المحلية من خلال تمكين المرأة وحقوقها، وهو الذي جعلهم يحتفلون ويباركون ويهنئون بقرار السماح بالقيادة، وهذا ليس أمراً جيداً في حقيقته ومعناه ودلالاته حين يبارك لنا العالم ورموزه بموضوع عادي كقيادة السيارة، وكأنه أول فتح أو أهم إنجاز في مسألة حقوق المرأة وتمكينها.

ستظل الصورة قاتمة، وسوف تستمر المزايدة الخارجية بملف المرأة السعودية ما لم نبادر نحن إلى التعامل معه كما يجب، فالمرأة السعودية الآن متفوقة وقادرة على المشاركة المشرفة في كل المجالات وعلى كل المستويات. تستطيع أن تكون وزيرة وسفيرة، وبإمكانها الحضور في مناصب الواجهة لبعثاتنا الدبلوماسية، وتمثيلنا في المنظمات والهيئات الدولية بمختلف تخصصاتها واهتماماتها. لو فعلنا ذلك نكون قد استثمرنا المرأة السعودية استثمارا حقيقيا فاعلا وليس رمزيا، وأعطيناها حقوقها المشروعة، وأقفلنا ملف المزايدات الخارجية عليها كعضو مظلوم مقهور في مجتمعنا لا يلقى التعاطف إلا من الخارج. والأهم من كل ذلك أن نترجم أقوالنا إلى أفعال بأنها شريك حقيقي في بناء مستقبل الوطن.