صبحكم الله بالخير يا قراء «عكاظ» العتيدة.. اشتقت لكم.. أعلم بأن إجازتي طالت أكثر مما ينبغي إلى درجة أن الشهر (المزعوم) كاد يتحول إلى عام كامل، وقد صادفت الزميل رئيس التحرير في أربع دول مختلفة وفي كل مرة كان يقول لي: (مسختها يا فتى) ولكنني في كل مرة كنت أتعمد مباغتته بسيل عرمرم من الأعذار المبتكرة حتى يشعر بالصداع المزمن المصحوب بوخزات الضمير فيقول: (خلاص اللي تشوفه.. بس لا تبطي علينا)!

واليوم تبدو مسألة العودة إلى الكتابة أشبه ما تكون بدخول قاعة احتفالات تضم أقرب الناس إلى قلبك بعد أن شهدت الأسابيع الماضية إنجازات وطنية تاريخية سوف يكون لها أثرها العظيم على مستقبل هذا الوطن الشامخ وحياة أهله الطيبين الكرام، وأصدقكم القول أنني قبل الإجازة كنت أنظر بكثير من التعاطف نحو الأجيال الناشئة؛ لأنها لم تعش أزمنة وفرة العائدات النفطية مثلنا، ولكنني اليوم أصبحت أغبطهم على الحياة التي سوف يعيشونها، بإذن الله، بعد أن تم الانتصار للحياة والفرح والمنطق وأزيل الصدأ عن العديد من القضايا التي كانت معلقة في سقوف العمر دون حسم.. فمبارك للجميع هذه الإنجازات الوطنية والإنسانية التي جاءت بعد أن اعتقدنا أنها لن تجيء أبدا.

قبل أسبوع وفي شوارع جدة التي كانت تنتشي فرحا باحتفالات اليوم الوطني قلت لابني: (هل تصدق ؟.. قبل سنوات كان الواحد منا كان يتلقى سبع آلاف شتيمة في الثانية لمجرد مطالبته بالاحتفال باليوم الوطني) وحين سألني عن السبب تذكرت أنني سأقضي وقتا طويلا في شرح الكثير من (الخرابيط) التي تبدأ بتجريم مفهوم الوطن مرورا بالكثير من الأفكار الظلامية العجيبة، وانتهاء بالمشاهد المؤلمة المجنونة التي يقتل فيها الابن أباه، تلبية لنداء أناس لا يعرفهم، لذلك وجدت أن الجواب الأسهل هو أن أرفع صوت جهاز التسجيل: (عاش سلمان يا بلادي.. عاش سلمان).

الحكم مبادرة.. والحكام الذين يصنعون التاريخ هم أولئك الذين يملكون الجرأة على المبادرات الصعبة في لحظة غير متوقعة، لذلك فإن تاريخ هذا البلد لن يتجاوز مبادرات الملك سلمان التي أحالت ما كنا نظنه بالأمس مجرد أحلام إلى واقع وملموس، ولا شك أننا أيضا محظوظون بمحمد بن سلمان ولي العهد الطموح والجسور، الذي لم يكتف منذ دخوله المشهد السياسي بقراءة التحديات وإدارة التوازنات ومراعاة الحسابات، بل اضطلع بالدور الذي يليق بالقادة الشجعان وهو صناعة التغيير وتحويل العراقيل الوهمية إلى جزء من الماضي.