التوعية -بشكل عام- تهدف إلى إحداث تغيير في سلوك أو فكرة في المجتمع، ليُدرك أفراده حقائق الأمور فهماً وتوضيحاً. بمعنى أنها الجسر الذي يربط بين جانبي الإنجازات المادية والمفهوم المعنوي لها.. ليتقبل المجتمع الأنماط الحضارية الجديدة.. ويرتقي فكريا ليواكبها. هذا ما يفترض أن تحققه الحملات التوعوية للمجتمع خلال فترة زمنية محددة.

معظم الحملات التوعوية التي تنفذ حاليا -مستمرة منذ سنوات- تحولت إلى حملات توعية (تقليدية) ذات نمط روتيني لا يضيف جديدا للمجتمع نحو أي فكرة جديدة. حملات: المرور، التدخين، الصحة، الكهرباء، المخدرات، المياه.. كلها تقريبا تكاد تتشابه في أسبابها الحقيقة: (سطر يضاف للتقرير السنوي الذي يُرفع للجهات العليا). وفي المقابل، قد تكون هناك دواعٍ لحملات توعية لأفكار يحتاجها المجتمع فعليا، لا يتم تنفيذها.. إذ تقف أمامها عقبات وعوائق وصعوبات.. تمنع ظهورها للمجتمع؛ لأنها جديدة وليس متعارفا عليها في أجندة (التقارير السنوية). هذه النمطية تعود بنا إلى إشكالية المجتمع الاحتفالي، حيث تصبح الاحتفالية هي الغاية في حد ذاتها.

المجتمع لم يعد في حاجة إلى كثير من هذه الحملات التوعوية الروتينية الرتيبة. فالمجتمع السعودي من المجتمعات الواعية المتعلمة. فالسنوات الطويلة التي بذلتها الدولة لرفع مستوى الوعي للفرد السعودي حققت ثمارها.. وارتفع مستوى الوعي الاجتماعي بشكل عام. على سبيل المثال، الشاب الذي يقود مركبته في الشوارع والطرقات يعرف تماما أنظمة المرور.. يعرف ما له وما عليه.. لكنه يتجاوزها آمنا للعقوبة.

من المفترض أن تتحول ميزانيات حملات التوعية الشكلية إلى بند زيادة الرقابة التنفيذية التي تقوم على تطبيق الأنظمة والقوانين المتعلقة بالمخالفات والتجاوزات الخاصة بكل جهة.

حملة توعية من أجل تحسين سلوك إهدار الماء لن تجدي.. فالأفراد يعرفون أن الإهدار مذموم شرعا وعرفا وقانونا.. ويعرفون جيدا أنه تجاوز يستحقون عليه مخالفة، لكن عدم وجود من يراقب هذا الإهدار، يجعل الحبل على الغارب، أي أن منح الحرية المطلقة للممارسة دون ضابط أو رقابة.. تؤدي للتجاوز.

المجتمع يعرف أكثر مما يتوقع أصحاب الحملات.. أو ربما يعرفون أيضا أن المجتمع يعرف.. ويعرفون أنهم يكررون أنفسهم.. لكن (جرت العادة) على أن يتضمن التقرير السنوي عددا من حملات التوعية.

المسؤولون عن هذه الحملات، لديهم القدرة على توجيه ميزانياتها نحو الرقابة وتحقيق فائدة ملموسة على أرض الواقع أفضل كثيرا من إجراءات شكلية تُهدر الوقت والمال والجهد.