قبل 38 عاما عندما كنت أمينا عاما للغرفة التجارية الصناعية بجدة، اجتهدت في خدمة منسوبات الغرفة من العنصر النسائي، وكان عددهن آنذاك لا يتجاوز الخمسين مشتركة، وكنا قد طالبنا آنذاك بمساواتهن في الخدمة والدعم، والمساعدة في معالجة بعض العوائق التي تواجههن في عملهن التجاري، وفي الواقع أن مطالبهن لم يكن فيها مبالغة أو افتراء على الغرفة، وإنما هي نتيجة معاناة حقيقية، إذ كانت الغرفة لا تعطي لعضويتهن الاهتمام اللازم، مكتفية بالتصديق على مستنداتهن، مع عدم قبول التعامل معهن، إلا من خلال الوكيل الشرعي، وكنت أحيانا أرى بعض الوكلاء فأرثي لحال موكلاتهم المجبرات حسب النظام على توكيل سعودي أيا كان مستواه العلمي والثقافي رغم أنهن كن على مستوى أعلى من الثقافة والعلم والدراية بالعمل التجاري، كما كنا نتجاهل دعوتهن عندما تزور الغرفة وفود تجارية، فتضيع عليهن الفرص التي تتاح لرجال الأعمال، وكنا نستبعدهن من قائمة الوفود التجارية السعودية التي تزور المعارض والمؤتمرات الدولية.

وفي الحقيقة أنني لم أكن راضيا عن هذا التصرف وعن هذه المعاملة غير العادلة، ولكنني عندما عُينت في هذا المنصب وجدت أن هذا هو الإجراء المتبع رغم أنني قادم من جامعة كنت أستاذا فيها، ودرست مبتعثا من جامعة الملك عبدالعزيز لتكملة دراستي العليا في أمريكا التي عشت فيها سنوات رأيت فيها دور المرأة الرائد وإنجازاتها المبدعة وإتقانها لأعمال إدارية وتجارية في الولايات المتحدة، كما تزاملت مع بعض المبتعثات السعوديات ومع أزواجهن أو المرافقين لهن، ووجدتهن أكثر إبداعا وإنتاجا وتفوقا في العلم والعمل.

ومن هذه القناعة تولدت لدي الرغبة في الاجتهاد في خدمة سيدات الأعمال المشتركات في الغرفة من خلال لقاء مباشر معهن دون حضور وكلائهن، فدعوتهن لاجتماع بعد صلاة العصر مباشرة يمتد إلى صلاة المغرب ودعوت معي اثنين ممن أثق في آرائهما وخبرتهما ومشورتهما، أحدهما أحد نجوم التجار في جدة صديقي الأستاذ وهيب بن زقر رحمه الله، والثاني أحد أشهر المحامين ومن أوائلهم أستاذنا محمد عمر العامودي، وقد كان اجتماعا ناجحا وحوارا إيجابيا وعصريا قابلنا فيه نخبة من أرقى وأذكى سيدات الأعمال آنذاك، وتم الاتفاق على أن تقوم الغرفة بتحقيق بعض مطالبهن الأساسية، وانتهى الاجتماع وانفض الحضور وعدت إلى منزلي معتقدا أنني حققت إنجازا يحسب لي في تاريخ الغرفة، وإذا بي استدعى للتحقيق من الساعة العاشرة مساء وحتى الرابعة صباحا، ثم استمرت جلسات التحقيق ستة أشهر حتى وصل الأمر إلى الملك فهد، وبتزكية من أستاذي ومعلمي الشيخ إسماعيل أبو داوود رئيس الغرفة آنذاك ومن أخي نجم وزراء التجارة الدكتور سليمان السليم - رحمهم الله جميعا - تجاوز الملك فهد -رحمه الله-ىلا عن اجتهادي وأقفل الملف، رغم عدم قناعتي بالجرم الذي ارتكبته.

وتوالت مع الأيام المطالبات وازدادت القناعة بأهمية دور المرأة في العمل، فخلال عضويتي في مجلس الشورى كنت أطرح مع بعض الزملاء موضوع قيادة المرأة للسيارة، باستحياء أحيانا وبجرأة أحيانا أخرى، حتى صنفت لدى البعض بأنني علماني، وكنت أضع المبررات المقنعة وانطلق من المبرر الرئيسي وهو أن الأصل في الأمور الإباحة، وعدم وجود تحريم إلهي لا بنص القرآن ولا السنة، وأن الموضوع هو اجتماعي مرتبط بعادات وتقاليد فقط، وظللت مع بعض الزملاء من الكتّاب نطرح الموضوع كلما فتحت لنا الأبواب بالكتابة فيه، حتى وصلنا لقناعة بأن الموضوع يحتاج الى قرار سياسي من ولي الأمر.

وتماشيا مع النص الشرعي القائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، جاء قرار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي أعتبره قرار القرن الحديث في المملكة، والذي سيسجل في تاريخ الحكم السعودي، ولن تنسى المرأة السعودية تاريخ إقراره.

وبما أنني كنت وما زلت وكثير غيري من المؤيدين والمطالبين بهذا القرار، فإننا نسجل إعجابنا وتقديرنا لقائدنا صاحب القرارات الحاسمة الحازمة، وكان هذا توقعي، بأن هذا القرار الحيوي للمرأة الذي لم يجرؤ أحد في ما سبق على اتخاذه، لن يجد سوى الملك سلمان وولي عهده أمير الشباب محمد بن سلمان لإقراره.

وفي الحقيقة أن القرار وإن كان مردوده إيجابيا على شخصية المرأة السعودية، إلا أن بعده الاجتماعي والاقتصادي أكبر بكثير من الفرحة بقيادة المرأة للسيارة، فمن بعده الاقتصادي الاستغناء عن نسبة كبيرة من السائقين في المنازل وادخار رواتبهم لتصبح وكأنها إضافة بنسبة 10%-20% للنساء اللاتي متوسط رواتبهن خمسة إلى عشرة آلاف ريال.

كما سيؤدي القرار إلى توطين نحو ألف مليون ريال شهريا كحد أدنى لو تم الاستغناء عن 500 ألف سائق في السنة الأولى بمتوسط راتب ألفي ريال تصرف داخل الأسواق السعودية.

وفي المقابل سيخلق القرار فرص عمل متعددة للمرأة السعودية، قد تصل إلى 500 ألف وظيفة في مجالات عديدة، سواء بالعمل المباشر كسائقة، أو أعمال لها ارتباط وثيق بقيادة المرأة للسيارة كالصيانة أو الأمن والسلامة أو المرور أو الأعمال المساندة الأخرى، وسوف أتطرق بالتفصيل للبعد الاقتصادي والاجتماعي لقرار قيادة المرأة للسيارة في مقال آخر.

إلا أنني في النهاية أؤكد شعوري بالفخر والاعتزاز بهذا القرار الذي اتخذه الملك سلمان، وأحمد الله بأن أكرمني لأرى المرأة السعودية عضوا في مجلس الشورى، وعضوا ونائب رئيس منتخب في الغرف التجارية، وعضوا منتخبا في المجالس البلدية، ورئيسة لأحد البنوك الوطنية، وغيرها من المناصب القيادية، متمنيا أن أراها في القريب العاجل وزيرة في مجلس الوزراء وسفيرة لوطنها خارج المملكة.

* كاتب اقتصادي سعودي