ليست هناك دولة يمكنها أن تلزم الناس بتغيير عاداتهم وتقاليدهم واستبدال جيناتهم الوراثية بغيرها، كون ذلك ليس من مهامها، فالتحدي الوطني لا ينظر للعقائد والأديان، والمذاهب على أنها إشكالات، ويعرف جيداً أنها قناعات شخصية، وتحديه مع التنمية فقط.

بالطبع هناك تيار أتيحت له فرصة سانحة، ونجح في زمن قياسي أن يعبث بجينات الانتماء والمواطنة، ويخلف تركيبة التهذيب الفطري السوي، كون المجتمع السعودي مهذّباً بحكم فطرته، ونزعته القبلية التي تراعي العرف، وبمدنيته وانفتاحه على المعرفة والعلم.

مهمة الدولة تتمثل في وضع القوانين والأنظمة والدساتير لحفظ النظام العام، والحد من الجرائم والتجاوزات، وإقامة المؤسسات المعنية برعاية مصالح شعبها وتحقيق الرخاء والرفاهية.

لم يكن الدِّين الذي جاء نقياً من عند الله سبباً في أي إشكال، أو عائقاً لأي تمدن، أو تقدم، إلا أن توظيف الدِّين من قِبل جماعات وأحزاب وفدت علينا مثل الذئاب الضارية لخبط أوراق الدولة والمجتمع.

كانت الدولة تضع خططها الخمسية لتطوير وعي المجتمع، ورفع مستوى كفاءة الفرد، وتحسين مستويات المعيشة، والنهوض بقيم حرية التعبير، والمساواة، إلا أن الجماعات المتزمتة والمأزومة اختطفت المجتمع وقلبت مفاهيمه، ودجنته بما لا سابقة له به، فحولت معظمه إلى مخلوقات مستريبة حتى من نفسها.

المملكة العربية السعودية دولة إسلامية بكل معطياتها، إلا أن منهجها مدني، بنت على أسس الشريعة ما يصلح للعصر من الثوابت وانفتحت بوعي على المتغيرات، إلا أنه عندما يأتي من يزايد على الدولة ويحاول أن يجعل من الدِّين فزّاعة يستميل بها المجتمع، ثم يطوّعه، ثم يؤججه ضد وطنه، فهنا لا بد من حسم وعزم.

لا أرى في قرار منح المرأة حقها في قيادة السيارة موضوعاً مثيراً على الأقل في تصوري. قناعتي أن الدولة لم تفعل أكثر من أن جعلت خيار المجتمع بيده، ليتصرف وفق قناعاته، ورفعت عنه وصاية أي تيار أو جهة.

لسنا في مقام التلاوم بقدر ما نحن في زمن صحو حقيقي يتبدد معه كل ما ران على أذهاننا ومشاعرنا من مستورد القول ومعلّب الأفكار، ومن حقنا أن نقف في مصاف الأمم المتحضرة، وتظل مصالح الدولة العليا غير متاحة للعبث الحزبي والنفاق الأيديولوجي.