طالب بن محفوظ (جدة)
ثمة مثقفون يعتبرهم البعض «مزيفين»، فهل هذه حقيقة؟..

ربما أجاب على ذلك المفكر والأكاديمي الفرنسي «باسكال بونيفاس»، الذي صنف كتابه «المثقفون المزيفون» إلى فئتين: الأولى: تمارس تضليلا متعمدا ويلجأون إلى حجج هم أنفسهم لا يصدقونها، والثانية: اعتبرهم أسوأ من الأولى؛ وهم المثقفون الذين يقتانون على مبادئهم (يعتنقون مواقف وفقا لمصالحهم الشخصية).

وهناك كتّاب غربيون آخرون اعتبروا أن المثقف محكوم بموقفه الأخلاقي، متطرقين للحديث عن دور المثقف؛ فمثلا يوجه الروائي الفرنسي «جوليان بندا» في كتابه «خيانة المثقفين» (1927) صرخة للمثقفين ممن تستهويهم مغريات السلطة والجماهير، فتقودهم للانحياز لمصالحهم السياسية والنفعية على دورهم ومسؤولياتهم الأخلاقية، ويؤكد الكاتب الأمريكي راسل جاكوبي في كتابه «آخر المثقفين» تراجع دور المثقف في الحياة العامة، بينما يرى الكاتب البريطاني في كتابه «أين ذهب كل المثقفين؟» أن المثقف محكوم بموقفه الأخلاقي.

الصمت رحمة

وهو ما أكده الباحث والكاتب ميرزا الخويلدي، الذي يوضح أنه لا دور طليعيا لرجال الثقافة في النقاشات الكبيرة التي تشغل الناس، وقليلون هم الذين يهمهم تطوير أدوات الحوار والنقد والتفكير المنطقي، مضيفا: «أما ما يقلق فهو اشتغال بعض المثقفين بإشعال نيران التعصب وتدمير التعايش السلمي»، موضحا «كنا نطالب المثقفين أن يتحدثوا لكي يوجدوا فضاءات حرة ونقية، أصبحنا نطالب بعضهم أن يصمت رحمة بالجمهور الذين يبث نحو التطرف والانغلاق».

خيانة الحقيقة

ويرى الباحث السوري جاد الكريم الجباعي أن خيانة المثقف هي خيانة الحقيقة، متسائلا: ما الحقيقة التي يخونها المثقف؟ موضحا أن الحقيقة هي الوقائع المعيشية والأحداث الجارية والظواهر المدركة التي لا تبتعد في واقعيتها عن واقعية العالم الفيزيقي، بصرف النظر عن تأويلاتها المختلفة والمتخالفة، وبغض النظر عن إمكان تحويرها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، مشيرا إلى أن إنكار الوقائع هو ذروة الكلبية في الخيانة، وهو ما يجعل الخطاب يتلوى، مثل أفعى بين الصخور، ويتلون تلون الحرباء.

وأضاف: الحقيقة متعددة ومتغيرة؛ وتأويلاتها كذلك، لأن كل شخص، رجلا أو امرأة، يرى الأحداث ويفسرها وفقا لمنظوره ومسبقاته ومرجعيته، ووفقا لموقعه، فلا يمكن التوصل إلى الحقيقة إلا بتجابه الآراء أو تواجهها في ساحة الحوار، ما يعني أن الحقيقة إنتاج اجتماعي مشروط بالتواصل والتناصت ومواجهة الحجة بالحجة والدليل بالدليل، لذلك يعد منع الحوار جريمة سياسية، وعدم تبادل الأفكار كارثة معرفية أخلاقية.

أقلام صادقة

أما الباحث الجزائري محمد مصطفى حابس، فيؤكد أن في حياة كل منا أقلاما مبدعة رائعة تسر العين تارة وتلهب العقول أحيانا، لما تطرحه من أعمال رائعة تعكس روعة كتَّابها، وهذه الأقلام مرآة صادقة لشخصية أصحابها، فتلقي الضوء على سلوكياتهم واتجاهاتهم وميولهم المختلفة، فهي تفصح عما يكنه الكاتب من مشاعر جميلة وأحاسيس رائعة للجمع، وهذه الأقلام يوجد بينها وبين أصحابها رابط روحي وفكري خالد، يرتبط ارتباطا وثيقا بأسماء أصحابها، فعندما تقرأ موضوعا تعرف صاحبه بسهولة؛ لأنك تعودت على القراءة له وأصبح بينك وبين صاحب هذا القلم علاقة داخلية نفسية ترتاح لها بل تهوى اللقاء بها؛ لما تقدمه من أفكار سامية وقيم نبيلة وسلوكيات رائعة واتجاهات سليمة تنشر الحب والخير في النفس وتغرس السلوكيات الفاضلة فينا، فتجعلنا نسير في فضائها وندور عبر أفلاكها لأنها أقلام مبدعة مميزة هادفة، الخير نهجها، والحب محرابها، حتى ولو كانت تغرد في سرب، بعيدا عن أرضنا وديننا ولغتنا العربية.