حاوره: علي مكي
منتصر عبدالموجود.. شاعر مصري، يكتب قصيدته بشكل مغاير ومختلف، لا في المشهد الثقافي المصري فحسب، بل على المستوى العربي، برز اسمه في السنوات الأخيرة، وحقق حضورا لافتا، وتقدم علی كثير من مجايليه الذين يشاركونه كتابة قصيدة النثر.

واستطاع أن يحرر نصه من اﻹرث الذي لحق بقصيدة النثر العربية، وأوقعها في كثير من التشابه. هو شاعر ومثقف في الوقت ذاته، وقادر علی أن يتحدث بشكل مؤسس عن تجربته، وتجربة زملائه الذين يشتركون معه في كتابة مختلفة عن السائد والمألوف.

«عكاظ» حاورت عبدالموجود في القاهرة، فانثال قارئا جيدا للمشهد الثقافي العربي، وشاهدا مهما على مهرجانات الشعر العالمية.. وفيما يلي نص الحوار:

قوة وتنوع

• أنت واحد من الأسماء اللافتة في كتابة قصيدة النثر على المستوى العربي.. كيف تقرأ المشهد الشعري في مصر وفي العالم العربي؟

•• أرى المشهد الشعري العربي يتسم بالقوة والتنوع والثراء، هذا على مستوى الإبداع الفعلي وما تقدمه القصيدة العربية الحديثة. فمنذ عصر النهضة لم يعدم شعرنا العربي أجيالا متعاقبة قدمت أعمالا إبداعية نتفق أو نختلف مع توجهاتها الجمالية، ويبقى من غير المنصف أن نبخسها قيمتها الفنية والمعرفية، تكفي المطالعة السطحية لمنجز شعرنا العربي الحديث لنلمس ذلك بوضوح، وليس معنى كلامي أنه ليس ثمة مشكلة، على العكس المشكلات كثيرة ومتنوعة، ففي الكتابة، هناك سيل من الرداءة والاستسهال، فعلى الرغم من المعلوماتية وثورة الاتصالات وحركة الترجمة.. مازال عدد كبير من الشعراء من مختلف الأعمار يكتبون نصوصا تقع في منطقة وسط بين الخاطرة والشعر الحر ويقدمونها بكل ثقة على أنها قصيدة نثر! وهناك شعراء ضللهم وعيهم الجمالي فقدموا عشرات الدواوين ليست سوى استنساخ باهت لتجارب شعرية راسخة اكتملت وتحددت أبعادها بجهد شخصي من أصحابها، فيأتي الاستنساخ مثقلا عليها ومفسدا لإي إمكانية ترغب في محاورة صادقة تستفيد من هذه التجارب وتضيف إليها.

• تستحضرني في هذا السياق انكباب العديد من الشعراء على تجربة الشاعر صلاح فائق.. حتى صارت القصيدة مجرد ثبت بيئي بأسماء الحيوانات والطيور والحشرات.. وإذا هيأت اللغة للشاعر مفارقة ـ وهذا شائع الحدوث ـ طار بها فرحا، بوعي جمالي بائس وعاجز عن السؤال بشأن هذه المفارقة.. هل جاءت لكسب الإعجاب وإشباع الرغبة في الاستعراض؟ أم لها مغزى أبعد في فهم الإنسان لوجوده تمهيدا لمساءلته ومن ثم الانتقال إلى وعي جمالي ومعرفي، حتى المفارقة تتخذ فيه بعدا آخر. إلام يقودنا ذلك داخل المشهد الشعري؟

•• يقودنا إلى إحدى أكثر النتائج التدميرية. أستطيع أن أعدد لك أسماء كثيرة مهمة في مشهدنا الشعري، وعشرات الدواوين المهمة تصدر كل عام، لكن بسبب ما ذكرت سابقا ليس هناك حركة شعرية كبيرة يتعامل أفرادها مع التجارب القائمة ينقدونها ويضيفون إليها. عندما نتحدث عن قصيدة النثر.. نراها تسهم الآن بشكل قوي فيما وصفته بالثراء والتنوع، لكن بالمقابل عندما نوسع دائرة الرؤية نجد احتفاء نقديا وقرائيا بالمدرستين الفرنسية والأمريكية في قصيدة النثر وما من وجود لمدرسة عربية!

الثراء والتنوع في إبداع الشعر يقابل بجفاء في عالم النشر، فالشاعر العربي لا بد أن يدفع مقابل نشر ديوانه. وتهافت المستوى النقدي لا يخفى على أحد، يكفي كم الأخطاء التي يتداولها العامة كمسلمات وترد حتى في كلام نقاد متخصصين.. كلام من نوع أن الشاعر محمد الماغوط يمثل أحد التيارين الرئيسين في إبداع قصيدة النثر العربية وأن الشاعر أدونيس يمثل التيار الآخر، مع العلم أن لا أدونيس ولا الماغوط كتبا قصيدة النثر، ولا ينطوي كلامي هذا على أي حكم بالقيمة.

وإعلاميا تجد وضعا مترديا، فقد انتقل الخطاب الإعلامي من مرحلة الجهل إلى مرحلة الاستخفاف والتحقير بأي تجربة جادة يدينها بعلامة صحتها وقوتها، يدينها لأنها تقول ما لا يعرفونه ولا يفهمونه.

الاستسهال والسطحية

• هل لديك تصور عن حركة قصيدة النثر في الخليج العربي، والسعودية تحديدا؟ ما هذا التصور؟

•• في حدود إمكاناتي وقدرتي على المتابعة أسعد بالكثير من التجارب الشعرية، ولا تعنيني في شيء جنسيات أصحابها فالمهم الشعر.. ما ذكرته سابقا لم يكن خاصا بالمشهد الشعري المصري بل ينسحب على المشهد الشعري العربي. أسماء كثيرة مهمة في الخليج كما الشام والعراق ومصر والمغرب. لدينا في الخليج إبراهيم الحسين وإبراهيم زولي وأحمد الملا وعلي المخمري هؤلا من تسعفني بهم الذاكرة الآن وهناك كثيرون معهم.

ثقة كبيرة

• عبدالقادر الجنابي شاعر عراقي والمشرف على ثقافات «إيلاف» سلم جميع دواوينه الشعرية إلى منتصر عبدالموجود، ولم يثق في أحد من مجايليه في جمع أعماله الكاملة «حياة ما بعد الياء» التي ستصدر قريبا في مصر. كيف كانت هذه التجربة؟ وكيف تثمن هذه الثقة؟

•• ما سيصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ليس الأعمال الكاملة إنما مختارات شعرية شاملة. عكفت على اختيارها من مجموع دواوينه، مع مقدمة تمثل إطلالة على عالمه الشعري، ونواة لكتاب نقدي أتمنى أن تساعدني الظروف على إتمامه في المستقبل. ورغم تأخر الإصدار بسبب من إيقاع العمل بالهيئة إلا أنه من الواجب أن أشيد بدور الدكتور هيثم الحاج علي، والدكتور سهير المصادفة اللذين تحمسا للكتاب وذللا الكثير من العقبات. هذه ثقة كبيرة من الجنابي أتمنى أن أكون قد بذلت ما يجعلني أهلا لها، طالما أخبرته أن هذا الكتاب سيكون بالنسبة له مجرد رقم في قائمة إصداراته، أما بالنسبة لي فمن الرائع أن يقترن اسمي بالجنابي في أول إصدار شعري له في مصر، بعد أن تم تقديمه كباحث وناقد أدبي بشكل يليق باسمه عبر إصدار المركز القومي للترجمة كتابه العمدة.. النضال ضد عبادة الماضي.

الحروب الصليبية أذهان منفتحة

•على الرغم من مشاركتك في أكثر من مهرجان للشعر العالمي إلا أنك لم تفز بأي جائزة عالمية كما حدث مع (أحد) الشعراء غيرك؟ لماذا؟ ما معايير الجوائز في هذه المهرجانات؟ هل لا يحبون قصيدة النثر؟ وكيف تتفوق قصيدة غنائية عربية على قصائد عالمية؟

•• بشأن جوائز المهرجانات، في حدود علمي المهرجان الوحيد الذي يمنح جائزة كل دورة، هو مهرجان ليالي استروجا للشعر بدولة مقدونيا، وجائزته الإكليل الذهبي جائزة تكريمية لا تنافسية أي تمنح لشاعر صاحب تجربة ممتدة في الكتابة، وفي الغالب يعلم الجميع بالفائز حتى قبل بدء المهرجان، أذكر من العرب الحاصلين عليها أدونيس ومحمود درويش.

هناك مهرجانات تمنح ميداليات أو دروعا وشهادات تقدير للجميع لمجرد مشاركتهم، وهناك مهرجانات تمنح كل شاعر مشارك مبلغا من المال كمصروف جيب، إذا شاركت لم يتوقف الجمهور عند التصنيفات.. يهتمون فقط بتأمل الشاعر يلقي نصه بلغته ثم يستمعون بشغف للترجمة، أرواح وأذهان منفتحة لا تترصد سوى متعة الشعر سواء وصلها في تفعيلة او قصيدة نثر. إليك بعض الجوائز التي حصلت عليها: في قراءة شعر صباحية بمدينة سيت. كل الحضور من أهل المدينة وبينهم الشاعر عباس بيضون، كنت قد أهديته ديواني يوم الافتتاح، جلس يستمع إلي بتركيز، بعد القراءة سلم علي وقال: منتصر قرأت ديوانك وحرصت على الحضور لأعرف كيف ستتمكن من إلقاء قصائدك.. كيف ستتمكن من تقطيع جملك الطويلة وفي رأيي أنك نجحت في ذلك بجدارة. قل لي بالله عليك كم تساوي تلك الجائزة؟!

• ولماذا لا يشارك الشعراء الكبار في هذه المهرجانات؟ ولماذا لم يفوزوا بجوائزها؟

•• أختلف معك، الشعراء الكبار والصغار يعشقون السفر والمشاركات، فقط يحتاجون أن توجه لهم الدعوة.