حسين عبيري*
سَرَتْ رِكَابُ القومِ تنشدُ فجرَهمْ

خلفَ الظلامِ وخوفهم

أرقٌ توقدَ واشتعلْ

تشدو على نارِ التَّرحُّلِ لم تزل

أقدامُهمْ

تبكي ظلال ديارهم

نثر المدى من راحتيه عناءُهم

أواه لا تكفي مداد حطامهم..

إذ يرفع الحادي أذان نزوحهم

واستسلمت لندائه

الأرواحُ...

تسري على سقمٍ

وتفتك بالخواء رِجامُهم..

يارُبَّ ليلٍ غاصَ في ظلماتِهِ

غَرَسَ المخاوفَ في المدى

كي تَستبيح صدورَ من نزحوا إلى فلواتهِ

الأسفارُ

لم يستكن طُوْلَ الطريقِ حُدَاؤُهمْ..

يروي على كل التلالِ مواجعًا

متدثرٌ بردَ الطريق تَحُوطهُ

الأحلامُ..

شَابَ الظلامُ وبَعْدُ لمْ تَعْثَرْ خُطَا آمَالِهمْ

إذ يستميت القوم بحثا عن ثرا

ورفات أزمنة

بجوف الأمنيات تنامُ..

وقف الزمان.. ولم يزل..

أفقُ التَّرَحلِ يستفيقُ لتوِّهِ

ومطيُّهم

قَدْ شامها طُولُ التَصَبُّرِ

لم تكتنز أحشاءُ حيرتِهم بغير تَوَلُّهٍ

بالقاصياتِ من الكواعبِ حين يرخين اللثام

ويستعنَّ على المواجع بالغناء

الأرضُ تنثر رملها

لم تستدر إلا استباحتْ خطوَهمْ

لم ترتفعْ إلا وكانتْ سهلهم

لم تنخفض إلا وكانوا

سيلها الجرارِ

قَلَقُ السؤالِ مسافةٌ لا تنتهي

ولثامُ أغنيةٍ

على حناجرِ التّرحالِ تَنْهارُ

عطشٌ وموتٌ قد تسلَّلَ بينهم

لم ينتظرْ

لِتَقِيْلَ من ظَمَئ السؤالِ شفاهُهمْ

لم يسترح أرقُ الجحوظِ من التعبْ

لم تنخفظ أبدا

يدُ المساحِ...!

الغيمُ خلفَ مطيِّهم.. مُتَثَاقلٌ

ورحالُهم تُلقِي بهم لمسافة لا تنتهي

مُتَنَسِّكٌ ليلٌ يصلي حولَهم

يتلو من الخوفِ المحدقِ وِرْدَهُ

ويَجولُ في أعماقِهم

يَقتاتُ من أكبادهم

ورِيَاحهُ تعوي

وهم..

يُسْقَوْنَ من شَغَفِ الوصولِ

زِمَامُ

لا الإبلُ تَعرِفُ أينَ تَعْطِنُ

لا القوافلُ تَستبينُ طريقَها خلفَ الدُّجَى

ولا الحِذَاءُ مُبصِرٌ أقْدَامَ من يَعْلُوهُ

عَمْيَاءٌ طَرِيْقُ الرَّاحِلينَ

تَصُبُّهُمْ في أَبْطحٍ وَفلاةِ

يَحْشدُونَ لِلمَوتِ المُحَتَّمِ

يَمْتَطُونَ فضولَهمْ

تمضي بِهمْ نَحْوَ الفِجَاجِ

فِجَاجُ...

* شاعر سعودي