تحقيق - نعيم تميم الحكيم
لا يكاد يمر موسم الحج إلا ويتجدد السؤال: ما حقيقة تطبيق فقه التيسير في الحج، وهل ييسر العلماء والدعاة بالمنهج النبوي المتمثل بكلمته الخالدة في حجة الوداع (افعل ولا حرج). ويأتي هذا السؤال في ظل تراجع بعض الدعاة عن فتاوى التيسير، معللين ذلك بالمشاريع الجديدة التي شهدتها المشاعر المقدسة والحرمان الشريفان. ولعل فتوى رمي الجمار في أي وقت يعد أنموذجا حيا لهذا الجدل السنوي، بين الفقهاء والدعاة من جهة، والجهات التنظيمية والتشغيلية والخدمية العاملة في الحج؛ إذ أجبرت حادثة جسر الجمرات في عام (1426) الفقهاء والعلماء على مراجعة فتاواهم خصوصا فتوى الرمي بعد الزوال، بيد أن بعضهم عاد ليتراجع عن فتوى التيسير بحجة إنشاء جسر الجمرات الجديد الذي حل الإشكالية وفق تصورهم. ومهما بلغت مشاريع التوسعات في الحرمين والمشاعر فإن الحاجة لفتاوى التيسير ستبقى قائمة خصوصا في ظل رؤية المملكة 2030 التي وضعت تمكين أكبر عدد ممكن من الحج والعمرة، في وقت تتعاظم لدى المسلمين أهمية الحفاظ على هويتهم الإسلامية واستكمال متطلبات شعائرهم الدينية. «عكاظ» وضعت القضية على طاولة النقاش، مستحضرة آراء المسؤولين عن مدى الحاجة لفتاوى التيسير خصوصا أنهم يقيمون الأمر من الناحية العملية، وواجهت العلماء متسائلة عن مدى ارتباط فتاوى التيسير بالمشاريع الجديدة؟ وهل هي مبرر كاف للعودة عن فتوى التيسير؟.

الفقهاء مختلفون.. وعلى ضرورة دراسة الفتاوى متفقون

تباينت آراء الفقهاء والعلماء حيال المسألة فمنهم من رأى أن القضية تحتاج لإثبات قبل العودة عن الفتوى وقسم يرى أن كل مسائل الدين مبنية على اليسر ولا تحتاج لمشروع أو غيره للتراجع عن الفتوى، لكن الجميع اتفقوا على ضرورة دراسة الفتاوى قبل إطلاقها من قبل الجهات العلمية الموثوقة.

ويوضح نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وزير العدل الموريتاني السابق عضو المجامع الفقهية الدكتور عبدالله بن بيه أنه عند تعليق الفتوى أو إعادة النظر فيها يجب التأكد من أن الحاجة قد انتفت لهذه الفتوى من خلال الدراسات العلمية والواقع الذي نشاهده عندها يمكن إصدار الحكم النهائي حول حاجتنا للفتوى من عدمها.

وبين ابن بيه أن العلاقة بين الفتاوى والواقع هي علاقة حميمة، وبالتالي إذا ظهر أن المشاريع الكبيرة جدا تخفف وطأة الزحام وبالتالي تنزل درجة المشقة فإنها ستؤثر على الفتوى بلاشك، مضيفا «إذا لم تصل المشقة لدرجة المشقة الوسطى والخفيفة وظلت المشقة على مستوى المشقة الكبرى وهي مشقة الضرورات فستظل فتوى التيسير والتخفيف قائمة ومن ضمنها رمي الجمار قبل الزوال وغيرها».

وبين ابن بيه أن الفتوى تستند إلى أقوال العلماء الذين يراعون دائما في موضوع الفتوى مسألتين هما الدليل من الكتاب والسنة والمشقة ورفع الحرج عن الناس، مؤكدا أنه عند إعادة النظر في الفتوى لابد من التحقق أن مقتضى الفتوى لم يزل قائما ولابد من تحقيق المناط في ذلك، موضحا جواز تعليق الفتوى في حالة استيفاء الحاجة منها وهذا يرتبط بمشروع جسر الجمرات وتخفيف المشقة على الناس في هذه المسألة، مستدركا «لكن يبقى الخلاف موجودا بين العلماء في هذه المسألة الفقهية، والضرورة دائما ترجح الفتوى».

فيما يتجه الداعية محمد حسان إلى ضرورة الأخذ بفتاوى التيسير دون النظر للمشاريع، معللا رأيه بازدياد أعداد الحجيج عاما بعد عام، مستشهدا بفتوى الرمي في أي وقت بعد إنشاء جسر الجمرات، حيث زاد عدد الحجاج، مطالبا بضرورة دراسة الفتاوى من قبل الجهات المعتبرة قبل إصدارها.

ابن منيع: إعادة النظر مرتبطة بزوال المشقة

يرى عضو هيئة كبار العلماء المستشار في الديوان الملكي الشيخ عبدالله بن سليمان المنيع ضرورة وجود إثبات على مسألة زوال المشقة قبل إعادة النظر في الفتوى بقوله «الفتوى مرتبطة برفع المشقة فمثلا إذا وسع جسر الجمرات وفي الوقت نفسه زاد عدد الحجاج على عشرة ملايين مثلا لبقي الإشكال واحتجنا للأخذ بالفتوى التيسرية لرفع المشقة عن الحجاج لذلك فالمسألة بحاجة لإثبات على ذلك».

وقال «الدين الإسلامي هو دين اليسر والسماحة قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال سبحانه (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، كما قال صلى الله عليه وسلم (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)، وقد قالت عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)».

وشدد المنيع على أن التخفيف في العبادة مرده التيسير ورفع الحرج عن الأمة، مفيدا بأن القاعدة الشرعية أن الأمر إذا ضاق اتسع.

وخلص المنيع إلى أن الأخذ بالرخص هو مقيد برفع الحرج فإذا لم يكن هناك حرج أو ضيق فيجب الأخذ بالمزيد من العناية بكمال العبادة والكف عن الترخيص بالرخص المبنية على وجود مبررها من رفع للحرج وأخذ بالتيسير.

الشؤون الإسلامية: دعاتنا يعتمدون على التيسير

يؤكد نائب وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدكتور توفيق السديري أنه مهما بلغت مشاريع التوسعة الجديدة فإن الحاجة ستظل قائمة للفتاوى التيسيرية، مشيرا إلى أن المشاريع الجديدة ستواجهها زيادة في أعداد الحجيج.

وأكد السديري على أنهم يطالبون الدعاة العاملين في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة بالاعتماد على الأخذ بفتاوى هيئة كبار العلماء بالمملكة والتي تعتمد على التيسير على الناس ورفع المشقة والحرج بقدر الحاجة إليها.

ولفت نائب الوزير في حديث سابق إلى أن الدعوة للتيسير في الحج تبقى مرتبطة بالكتاب والسنة ولا تخرج عنها، مضيفا «لدينا المئات من الدعاة المؤهلين الذين نوجههم إلى تيسير الفتاوى للناس في الحج ومراعاة المصلحة ومحاولة رفع المشقة والحرج عن جميع المسلمين سواء في مسألة رمي الجمار أو غيره».

مجمع الفقه: لم نناقش المسائل الفقهية بالحج رفعاً للحرج

أوضح مدير إدارة الفتوى والتشريعات المقارنة في مجمع الفقه الإسلامي الدولي الدكتور عبدالقاهر محمد قمر، أن مجمع الفقه الإسلامي الدولي لم يسبق له أن ناقش المسائل الفقهية المتعلقة بالحج إلا مسألة الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة.

وأضاف: «جميع من مر بالمجمع من الرئيس السابق الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله، ورئيسه الحالي الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد، المستشار بالديوان الملكي وإمام الحرم المكي الشريف وخطيبه، وكذلك أمناء المجمع السابقون: الشيخ الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة، والدكتور أحمد خالد بابكر وكذلك الأمين الحالي الدكتور عبدالسلام داود العبادي، وكذلك أعضاء المجمع يرون ترك مناقشة القضايا المتعلقة بأعمال الحج في هذا المجمع الدولي رفعا للحرج عن الأمة».

وأبان أن العلماء الأعضاء يخشون أن يؤدي إصدار القرار إلى توحيد الرأي في القضية، وإلزام جميع المسلمين المتمذهبين بمذاهب فقهية عديدة ومشارب اجتهادية متنوعة بالالتزام برأي واحد في المسألة، وقد يحصل لهم بسبب ذلك ضيق وشدة وحرج.

وزاد: «أعضاء المجمع يرون أن مناسك الحج لتعددها وسعة المشاعر المقدسة ولكثرة أعداد الحجاج وشدة القيظ واختلاف الناس في أعمارهم وقدراتهم الجسدية وقواهم النفسية لو تركت مسائلها الفقهية على الاختلافات والفروق الفقهية المذهبية يفتي فيها فقهاء المذاهب وفق ما يترجح لديهم، فإن في ذلك رحمة على الحجاج وسعة لهم في أمر دينهم، وفي هذا تحقيق لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم للصحابة رضوان الله عليهم عندما سألوه في قضايا الحج: (افعل ولا حرج)».

واستشهد بما حدث معه عندما يطرح عليهم بعضا من تلكم المسائل المتعلقة بالحج لمناقشتها في الدورات المجمعية يقولون: «نتركها لعلماء هذا البلد، هيئة كبار العلماء والأمة تأخذ برأيهم فيها».

ويؤكد قمر أن المجمع يرى أن ما يصدر من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في مسائل الحج هو المعتمد لديه وفيه الغنية، مشيدا بالدور الرائد الذي قامت به اللجنة الدائمة للافتاء بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية لسنوات طويلة بإصدار فتاوى على درجة عالية من الفقاهة ووزن ثقيل من الحكمة مع استناد دائم إلى أقوى الأدلة وأرجحها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس مع الأخذ بأقوى الآراء وترجيح الأفضل لمصالح الناس وبعد النظر في المآلات والحكم.

الجهات العاملة: الحاجة قائمة لها لسلامة الحجيج

أجمع القائمون على الجهات التشغيلية والتنظيمية حاجتهم لاستمرار فتاوى التيسير، نظرا لتزايد أعداد الحجاج عاما بعد عام.

وهو ما أكده الوكيل السابق لوزارة الشؤون البلدية والقروية الدكتور حبيب زين العابدين، مستشهدا بمشروع جسر الجمرات الذي يستوعب أكثر من ثلاثمئة رام في الساعة الواحدة مما حل كثيرا من الإشكاليات.

واستدرك زين العابدين «لكن المشكلة تكمن في توجه هذه الحشود الكبيرة في وقت واحد نحو الحرم المكي مما يسبب تزاحما كبيرا بين الحجيج قد يحدث أزمة جديدة واختناقات، لذلك مازلنا نؤكد ضرورة التوسع في موضوع فتاوى رمي الجمار حفاظا على أمن وسلامة الحجيج».

ودعا زين العابدين العلماء بتيسير موضوع رمي الجمار قبل الزوال بالاعتماد على بعض الفتاوى القديمة مثل رأي «أبوحنيفة» وغيره من العلماء، معللا رأيه بأن هذه الفتوى ستساعد الحجاج كثيرا وستخفف الزحام في المنطقة المركزية، وشدد زين العابدين على أنه مهما زادت سعة الجسر فإن الحجاج في ازدياد.

وأشار إلى أن موضوع الفتوى بات مهما جدا؛ لأنه يسهم في حفظ وأمن وسلامة الحجاج من خلال التيسير فيه، ولفت زين العابدين إلى أن الدولة بذلت جهودا كبيرة في بناء هذا الجسر لرفع المشقة على الحجاج، داعيا إلى تضافر رأي علماء الدين في هذا الموضوع من خلال التيسير في الفتاوى، معتبرا أن ذلك إحدى سمات الدين الإسلامي الحنيف لضمان حفظ أرواح الحجاج وهو المطلب الأول للجميع.

واتفق رأي قائد كلية الملك فهد الأمنية حاليا وقائد أمن المشاة في الحج سابقا اللواء سعد الخليوي مع رأي زين العابدين في أن الحاجة لفتاوى التيسير قائمة ولا تلغيها المشاريع الجديدة. وشدد في حديث سابق على المشكلة التي يعانون منها جراء رمي الحجاج في وقت واحد يوم الثاني عشر تتجلى في المنطقة المركزية في الحرم المكي الشريف، مؤكدا أن جسر الجمرات حل إشكالية الاستيعاب للأعداد الكبيرة، واستدرك «لكن مشكلة الاستعابية في الحرم المكي بحاجة لحلول ومنها بقاء الحجاج في منى وعدم التعجل أو الذهاب لبيوتهم في مكة والتيسير على الحجاج بالرمي في أي وقت ما أمكن ذلك. ويتجه المطوفون ورؤساء مكاتب شؤون الحجاج في نفس الاتجاه، حيث أكدوا أن فقه التيسير في الحج يجب أن يبقى ثابتا، ولا يتغير بوجود المشاريع لتنامي أعداد الحجيج.

وهو الرأي الذي تبناه نائب رئيس مؤسسة مطوفي الدول العربية محمد معاجيني، مشددا على أن الحجاج يسيرون على فتاوى دعاتهم والتي على أساسها وضعت جداول التفويج لجسر الجمرات، والعودة للفتاوى القديمة ستربك الخطط والجداول التي وضعت بالأساس لسلامة الحجاج.

ويرى رئيس مؤسسة مطوفي تركيا ومسلمي أوروبا وأمريكا وأستراليا المطوف طارق عنقاوي أن العودة لفتاوى قديمة بحجة مشاريع التوسعة، أمر مربك لأعمال المطوفين والجهات العاملة في الحج، داعيا الفقهاء والعلماء للسير على النهج النبوي بالتيسير على الحجاج، وهو ما يطالب به رؤساء مكاتب شؤون الحجاج في كل اجتماع.