محمد الصبحي (جدة)
يجسد مشروع البحر الأحمر الذي أعلنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بين «مدينتي أملج والوجه» ، توجه المملكة القوي نحو تنويع مصادر الدخل الوطني، وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وتوسيع القاعدة الاقتصادية التي تؤهلها للقضاء على الاقتصاد الريعي، وتبوؤ مكانة بارزة على خريطة الاستثمارات والشركات ذات المجالات النوعية في منظومة الاقتصاد العالمي.

المشروع الذي يستغل 50 جزيرة في البحر الأحمر، يعمل على تلبية رغبات واحتياجات جيل المستقبل الترفيهية، والسياحية، الثقافية، والاجتماعية، ويعزز الاستثمارات العالمية نحو الاقتصاد السعودي؛ ما يدعم مكانة المملكة كمركز عالمي مهم في جذب الاستثمارات الخارجية، وتمكين المملكة من التربع على عرش أفضل الدول للسياحة الشاطئية.

ويعد المشروع رافدا من روافد التنمية السياحية والترفيهية في البلاد، بما يؤهل للمضي قدما نحو العمل على منح المدن قدرة تنافسيّة دولية وفق رؤية السعودية 2030، وتطوير المراكز الترفيهية، وتشجيع المستثمرين من داخل وخارج المملكة لإقامة المشاريع الترفيهية، والتعاون في ذلك مع الشركات العالمية المعروفة في هذا المجال، خصوصا أن مشروع البحر الأحمر يزخر بالمواقع الطبيعية جمالا وتنوعا في العالم؛ لتطوير منتجعات سياحية استثنائية على أكثر من 50 جزيرة طبيعية، وذلك على بعد مسافات قليلة من إحدى المحميات الطبيعية في السعودية والبراكين الخاملة في منطقة «حرة الرهاة»، إلى جانب مدائن صالح التي تعد على مقربة من المشروع، التي تعتبر من أفضل الأماكن التاريخية في العالم.

كما جسد إعلان ولي العهد قبل فترة مشروع «القدية» جنوب غرب العاصمة الرياض، كأكبر مدينة ثقافية ورياضية وترفيهية من نوعها على مستوى العالم، توجهات المملكة وآلية عملها خلال المرحلة القادمة، في تعزيز الجوانب الاقتصادية والتنموية داخل المجتمع، وإيجاد مصادر جديدة للدخل.

ولاشك أن المشروعين السياحيين «القدية» و«البحر الأحمر» سيضعان المملكة على خريطة السياحة العالمية وجذب استثمارات الشركات الدولية؛ ما يولد فرصا وظيفية للشباب السعودي، وينعش الاقتصاد الوطني بما يرقى لتوجهات القيادة الحكيمة، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين.

وفي هذا السياق، أكد خبراء اقتصاديون متخصصون لـ«عكاظ» أن مشروع البحر الأحمر الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سيعمل على زيادة أعداد المرشدين السياحيين إلى أربعة آلاف مرشد بنسبة 900%، مقارنة بأعدادهم حاليا المقدرة بـ 400 مرشد سياحي سعودي.

وتوقعوا أن تصل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بأعداد المرشدين إلى تلك النسبة خلال الخمسة أعوام القادمة.

وبينوا أن الموقع الذي اختير عليه المشروع يجذب الكثير من الغواصين الذين يبحثون عن هواية استكشاف الشعب المرجانية.

ولفتوا إلى أن مشروع البحر الأحمر سيؤدي إلى خفض نسبة البطالة في السعودية، في ظل توفير نحو 35 ألف فرصة وظيفية متوقعة.

وأشاروا إلى أن المشروع سيعمل على زيادة الفرص الاستثمارية؛ كونه المشروع الثاني في إستراتيجية صندوق الاستثمارات العامة في القطاع السياحي بعد مدينة القدية، وسيساهم في عدم هروب الأموال لخارج السعودية، إضافة إلى تأثيره الإيجابي على قطاعات كثيرة كالقطاع العقاري والصناعات البحرية.

100 شركة تتأهب للاستثمار

قال رئيس مجلس الأعمال السعودي الماليزي منصور الفقيري لـ«عكاظ»: «يوجد نحو 100 شركة ماليزية تبحث الاستثمار في السياحة السعودية بشكل عام والاستثمار في المشاريع الجديدة، التي طرحت من المملكة كمشروعي القدية، والبحر الأحمر».

وأضاف: «مشروع البحر الأحمر سيوفر الكثير من الفرص الاستثمارية، خصوصا في مجال تشغيل القوارب وصيانتها، ومن المتوقع أن يوفر المشروع نحو 35 ألف فرصة وظيفية؛ الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على نسبة البطالة في السعودية، إلى جانب خلق فرص وظيفية كبيرة في المناطق، التي كانت تعتبر من الوظائف القليلة كحقل، وأملج؛ ما سيقلل انتقال سكان هذه المدن إلى المدن الكبرى».

رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي

أوضح الخبير الاقتصادي فضل البوعينين لـ«عكاظ» أن استثمارات صندوق الاستثمارات العامة أصبحت المحرك الرئيسي للقطاع السياحي وفق رؤية إستراتيجية تكاملية، ومشروع البحر الأحمر هو المشروع الثاني في إستراتيجية الصندوق في القطاع السياحي بعد مدينة القدية، التي جاءت وسط بيئة صحراوية وجبلية.

وأفاد أن ضخ صندوق الاستثمارات العامة لاستثمارات نوعية في القطاع السياحي يتوافق مع رؤية السعودية 2030 من جانبين، الأول ضخ 50% من أصول الصندوق داخليا، والثاني تحقيق هدف تطوير القطاع السياحي ورفع مساهمته في الناتج الإجمالي المحلي.

ونوه إلى أن المشروع العالمي الذي يقام على بعد مسافات قليلة من إحدى المحميات الطبيعية في المملكة والبراكين الخاملة في منطقة «حرة الرهاة»، سيشكل وجهة سياحية رائدة تتيح للسائحين فرصة فريدة للاستمتاع بالطقس الرائع والطبيعة البكر، إضافة إلى زيارة المناطق التاريخية التي تزخر بها المملكة.

وذكر أن هذا المشروع يندرج في إطار مسعى المملكة لتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط، خصوصا بعد التراجع الحاد لأسعاره خلال السنوات الأخيرة، وتهدف المملكة من خلال ذلك إلى حماية مشاريعها التنموية العملاقة وعدم ارتهانها إلى ريع النفط الذي بات تؤثر فيه الكثير من المتغيرات.

مضاعفة أعداد المرشدين السياحيين

المستشار ومدرب الإرشاد السياحي خالد آل طوق قال لـ«عكاظ»: «عدد المرشدين السياحيين المرخصين من قبل الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لا يتجاوز 400 مرشد سياحي، وهذا العدد لا يخدم البرامج التي تطلقها السعودية، إلا أني أتوقع زيادة عدد المرشدين السياحيين في المملكة خلال الخمسة أعوام القادمة إلى نحو أربعة آلاف مرشد مرخص له بالعمل».

من ناحيته، أكد عضو الجمعية السعودية للاقتصاد الدكتور عبدالله المغلوث لـ«عكاظ» أهمية مشروع البحر الأحمر في كونه نقلة نوعية في صناعة السياحة العالمية، لاسيما أن المشروع تتوافر به إمكانية استمتاع الزائر والسائح بالمكونات الطبيعية في استكشاف تنوع الحياة النباتية والحيوانية من خلال تطوير منتجعات سياحية استثنائية لأكثر من 50 جزيرة طبيعية.

وأضاف المغلوث: «المشروع يدفع عجلة التنمية ويضع السعودية على خريطة السياحة العالمية، إذ إن الموقع الإستراتيجي المميز للمشروع، الذي يربط بين آسيا والشرق الأوسط، وأفريقيا وأوروبا يسهل الوصول إليه، كما أن المشروع أيضا سيحد نسبة ارتفاع البطالة، وهذا ما تهدف إليه رؤية السعودية 2030، كما أن وجود ودعم ومشاركة صندوق الاستثمارات العامة في ضخ وتمويل الاستثمارات الأولية لهذا المشروع يدل على قناعة تامة في نجاح الدراسات، بما تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية في مجال السياحة».

وتابع: «في اعتقادي أن هذا المشروع يمتلك المعايير التي لو طبقت لأصبحت وجها للسياحة على المستوى العالمي، بل سينعكس مع السعي إلى استقطاب وإعادة توجيه مصروفات السياحة السعودية إلى الداخل، كما أن هذا المشروع يستقطب الأسماء الرائدة عالميا في قطاع السياحة، والضيافة، وتوطينها داخل السعودية، ويسهم في تعزيز ثقافة التعامل، والتعاون، والمبادرات بين تلك الشركات مع نظيرتها المحلية».

سواحل وإمكانات تؤهل للقمة

وذكر رئيس إحدى الفرق المتخصصة في الغوص بالسعودية فيصل بن حسن لـ«عكاظ» أن البحر الأحمر يعد أكبر بحر في العالم يحتوي على شعب مرجانية وأسماك متنوعة وجذابة؛ الأمر الذي يبحث عنه الكثير من خبراء الغوص حول العالم؛ ويجعل الغواص السعودي لا يحبذ السفر لبعض الدول التي يعتبر فيها الغوص متدني المستوى مقارنة بما تمتلكه السعودية من سواحل وإمكانات جبارة تمكنها من الوصول إلى القمة في هذا المجال.

وقال: «الغواصون في السابق كانوا يلجؤون إلى الذهاب للعديد من الدول لممارسة هذه الهواية، وذلك لتوفر الخدمات، إلا أنه بعد انطلاق المشروع سيتمكن الغواص السعودي من ممارسة هوايته في أفضل بحر على مستوى العالم».

وأضاف: «البحر الأحمر يحتوي على نحو 250 نوعا من الشعب المرجانية على الأقل، ما سيعمل على استغلال هذه الثروات السياحية الطبيعية وتمكين المملكة من التربع على عرش أفضل الدول للسياحة الشاطئية».

«التليغراف»: المشروع ضعف مساحة «ويلز»

في إطار الأصداء العالمية لإطلاق المشروع، وصفت صحيفة «التليغراف» البريطانية مشروع البحر الاحمر بأنه «مخطط لإنشاء منطقة فعالة للسياحة تقارب ضعف حجم مقاطعة «ويلز» البريطانية، على ساحل بكر في البحر الأحمر، في محاولة للسعي لمضاعفة عدد الزوار لغرض السياحة الترفيهية».

وأشارت الصحيفة إلى أن المسؤولين السعوديين يأملون في أن يرفع المشروع الجديد معالم البلاد في صناعة السياحة والعطلات؛ ما يحرك اقتصادها السياحي بعيدا عن موسم الحج السنوي.

ونوهت إلى أن زوار المملكة قد تجتذبهم أيضا المواقع التاريخية القديمة، والصحاري الآسرة.

واعتبرت صحيفة «ديترويت نيوز» الأمريكية أن المشروع يأتي ضمن سياسة السياحة الداخلية التي تعد جزءا رئيسيا من خطة رؤية 2030 الإستراتيجية، التي تهدف إلى تنويع وتحديث الاقتصاد، وتتضمن خططا للحفاظ على بعض الأموال السعودية التي تنفق في الخارج سنويا في البلاد.

يذكر أن مشروع البحر الأحمر الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من خلال 50 جزيرة، يسعى لاستغلال ثروات السعودية بتهيئة بيئة مثالية للسياحة البحرية والشاطئية، بما تمتلكه من تنوع للكائنات البحرية، والشعاب المرجانية والمساحات الواسعة من أشجار المانغروف على شاطئ أملج، الواقعة في منطقة تبوك، إضافة إلى أن المشروع يعد من أفضل مواقع الغوص في العالم، ويتميز بالرمال الناعمة البيضاء، والمياه الدافئة، والبراكين الخاملة، والحياة البحرية الغنية، والتنوع البيولوجي.

ويعزز مشروع البحر الأحمر إطلاقه على أسس وقوانين خاصة، كما أنه يقع على أحد أكثر المواقع الطبيعية جمالا وتنوعا في العالم، ويعتبر قفزة كبيرة في عالم السياحة تسعى من خلاله المملكة للتنافس في هذا المجال المزدهر دوليا.