عندما نأخذ حديث «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرَقَتْ لقطعتُ يدها» يتوكد لنا، أنه لا عصمة، ولا حصانة بنسب أو منصب لكائن من كان. عدا ما يمكن أن تضعه الدولة من ضوابط لحفظ هيبة ومكانة شخصيات اعتبارية دبلوماسية أو عدلية أو شورية.

الشرائع والقوانين والأنظمة وُضعت لكل الناس، ومن العبارات الشائعة (الناس سواسية أمام القانون) أي بصفتهم الفردية، سواء أكان مواطناً، أم مقيماً، أم زائراً، وعندما يقعون في مخالفة للنظام، أو تجاوز له، أو يرتكبون جنحة، أو جناية، فإنه يتم التعامل معهم قبضاً وتحقيقاً بذواتهم، دون التفات من المحقق إلى المواهب والمناصب.

مع الأسف كرّس خطاب الصحوة المؤدلج مفهوم (الحصانة الشعبية) بمعنى ألزم المجتمع بالإذعان ومنح ثقة مطلقة عمياء في كل ذي لحية كثة، وطويلة، وقصير ثوب، كونه هو من أهل الصلاح، ولحمه مسموم، وإن احتال، ونصب، وفعل الموبقات، فظاهره الصالح بحسب مقاييس الصحوة، يبرر له فعل الموبقات وإن تجرأ على القتل.

بحكم حسن النوايا انطلت علينا مقولة (ظاهره الصلاح) واكتسحتنا لعقدين أو ثلاثة، وكلما وقعت مصيبة التمسنا لهم عذراً، تحت مظلة أن الشعب (حصّنهم) حتى بلغنا اليقين أن معظم المتاعب التي طاولت نساء، وأطفالاً، وشيوخاً، وآباء، وأمهات، وزوجات، ووطناً كانت على يد من وسمناهم بالصلاح.

مما توارد مؤخراً، ودار على الألسن، أنه تم القبض على الشيخ فلان، أو الداعية، أو الواعظ، أو رجل الأعمال، أو المثقف، أو الكاتب، وكل هذه الألقاب من الأوصاف الطردية التي لا تؤثر في الحكم كما يقول الأصوليون.

وأزعم أنه لا يمكن لشعب مهما بلغ من النقاء أن يعتمد على مشاعره في تقييم نُخَبِهِ، وتبرئة من يشاء بناء على العرفان، وإدانة من يشاء بحكم الشنآن، بل الواجب أن تكون الأنظمة وقوانين الدولة هي المعول عليها في إثبات التهم، وإعلان البراءة.

إذا كان محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم لم يهب حصانة لأحب الناس إلى قلبه (فاطمة) فبأي حق يذهب البعض لمنح الحصانة لإنسان حتى وإن قضى عمره كله في المسجد؟