وضع الجد رأسه فوق ركبة زوجته، طلب منها أن تحكه في صلعته عسى يجيه النوم، غفا ثم انتبه على صياح الأحفاد، سألهم: وشبكم يا سكون؟، قالوا: يا جد ما أحد سوى لنا عشاء.

استقعد وجمعهم وقال والله إني لأحدثكم بحق جرى، ورواه لي أبي بلسانه. قال: قبل إعلان الملك عبدالعزيز توحيد بلادنا بأعوام، ضربنا في جبال السراة قحط، استمر لمدة عامين كاملين، لا مطر، ولا مؤنة تسد حاجة الناس، وسموه (زمن الحُمريّة)، من شدة قلق الناس على معيشتهم بدأ النهب والسلب والسرقة.

قرر أبو جدكم عطية الهجرة إلى تهامة، فأخذ زوجته وابنه عطية وابنتيه الصغيرتين. تحرك الجميع من العقاب قاصدين تهامة، مشوا قرابة ليلتين في هلع وخوف، فآواهم المبيت إلى مغارة، ولم يكونوا يعرفون شيئاً عن الملاريا وإنما يطلقون عليها الوباء.

روى جدكم أن الحمى ضربت أمه واستمرت ليالي ولها ونين. كان في مدخل المغارة شبارقة، وفي إحدى جهاتها نبع ماء، وكان يقطف من الشبارق ويضع في فم والدته، ويحمل الماء في كفه ويحاول يسقيها، لم تكن تمضغ ولا تبلع، لأنها فارقت الحياة، ولا ينسى منظر أخته الرضيعة وهي تفتح صدر أمها وتبحث عن ثديها لترضع منه، أقسم أن مشاعره تخشّبت وهو ينظر إلى أبيه وكلما أطال النظر صرف وجهه عنه.

انقضت ليلة موحشة، وافتتحوا نهارهم بردم الحجارة على جثتين، ثم سار الأب وصغاره، وفي الطريق صادفا مزارعاً فتوسل إليه الأب أن يضم طفله وطفلته وهو سيبحث له عن فرج، حاول الرجل يتملص منه، فانكب على يده وقدمه يقبّلهما ليذعن لطلبه ويحمل الشيمة في الصغيرين.

انطلق الأب إلى تهامة وانقطعت أخباره، فيما اشتغل جدكم عطية مع المزارع حتى ضربت الحمى أخته، فلم يحتمل البقاء، حملها على ظهره وقرر الهرب من الفتك، وبدأ يصعد بها الجبال مقرراً العودة إلى بيتهم في السراة، وفي منتصف العقبة في ليلة مقمرة كان وجه أخته يحاكي القمر، وأناملها تداعب وجهه وشعره. لم يكن يدري أنها تحتضر.

وصل الديرة بمفرده، مع إعلان وحدة المملكة وتوحيدها، وتزوج بأمي، ومنذ ذلك اليوم حتى اليوم ونحن في أمن وصحة ورخاء، فاحمدوا ربكم على النعمة. علمي وسلامتكم.