نشر الشيخ سليمان الراجحي وصيته التي أوصى بها إخوته وأبناءه، وكان من ضمن ما أوصى أن يحصل بعد وفاته؛ عدم إقامة عزاء في منزله ولا في منزل أحد من إخوانه وأبنائه أو في أي مكان آخر، وألا تنشر تعزية عنه في الصحف، وطلب توجيه مصاريف العزاء إلى الجمعيات الخيرية. وأوضح أنه استند في وصيته هذه إلى فتوى الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين بنصها: «اجتماع الناس للعزاء بدعة وليس من عادة السلف، وإن انضاف إلى ذلك صنع الطعام، والولائم، والاجتماع عليها؛ كان هذا من النياحة، ثم هذا الاجتماع لا ينفع الميت، ولا ينفع الحي، بل إن الحي ربما يزداد غماً وهماً.. فليس فيه خير بل فيه ضرر». وبالفعل العزاء صار أشبه بالأعراس التي تكلف أهل المتوفى مبالغ طائلة تتضمن تكاليف استئجار التجهيزات اللازمة للمجالس وولائم كبيرة وإعلان في الصحف وغير ذلك، أما الأعراس فهي معضلة عويصة تتعلق بغرور الأنا لا أكثر، ولهذا كثرت مؤخرا حالات فسخ الزواج بسبب كون العرس غير مرض لنرجسية أحد العروسين أو أهلهما، بينما الأصل في العرس هو أن يكون تجمعا للأحبة ليكونوا شهودا على الميثاق الروحي الغليظ للزواج المقدس باسم الله ويشاركوهم فرحهم، وليس ليكونوا جمهورا للاستعراض بمظاهر بذخ لا تعبر غالبا عن الحالة المادية الحقيقية لمن أقامها إنما هي ديون، وقد يبقى الزوج يسدد ديون هذا الاستعراض الفارغ لسنوات، ما يولد لديه غيظا مكبوتا تجاه الزوجة، وقد يسجن بسبب عجزه عن سداده ويفقد فرصته بالتوظيف وتصبح عليه وصمة «خريج سجون» كما يقال، وهذا غير المبالغة بالمهر حتى رسخ في اعتقاد الذكور أن النساء ماديات ولذلك يمنون على الزوجات ما أنفقوه في المهر والعرس، وبلغ الأمر بكثيرين اعتبار المهر ثمنا يتملك به الزوجة، فيعاملها كأنها أَمَة مشتراة، واحتار المجتمع كيف يتعامل مع الواقع السلبي للمهور ليس فقط لأنها تثقل كاهل الشباب، إنما أكثر من هذا، لأنها صارت سببا لتسليع الفتيات وتزويجهن رغما عنهن لمن يدفع أكثر ولو كان الأسوأ، مع العلم أن المهر شرعا هدية للعروس ومن حقها التنازل عنه بالكامل منعا لاعتباره ثمنا يتملكها به الزوج، ولعل هذا أفضل من تحديد قدر موحد للمهر لأنه يعالج مفهوما خاطئا تسليعيا للزواج يتعلق بالدلالة الخاطئة للمهر، ولو تخلينا عن هذه التمثيليات والاستعراضات والبهرجات المغترة الفارغة ولزمنا البساطة والعمق الجوهري للأمور لأصبحنا أكثر سعادة وحبا وصدقا.

bushra.sbe@gmail.com