عبدالرحمن باوزير (جدة) ، علي فايع (أبها) ، فاطمة آل دبيس (الدمام)
عندما أطل جهيمان وجماعته من المسجد الحرام عام 1979، كان الحركيون بجماعاتهم المتباينة في التكتيك قد بلغوا مرحلة مهمة في الجامعات والمدارس أو ما يسمونها «الحواضن التربوية»، وربما ساعدت أحداث جهيمان على إدخال السعوديين مرحلة ما يعرف بـ«الصحوة» التي جعلت المهمة أسهل لـ«الحركيين» من جماعات الإسلام السياسي للوصول إلى غايتهم الكبرى (السلطة).وبدا قرار جامعة الإمام محمد بن سعود بعدم التجديد للمتعاقدين المتعاطفين مع الجماعات الإرهابية أو المنتمين لها، قراراً مطمئناً، حتى أن عضو مجلس الشورى السابق الدكتور محمد آل زلفة اعتبر اتجاه جامعة الإمام محمد بن سعود «خطوة ممتازة»، مشيراً إلى أنه مثل هذا القرار من الممكن أن يحد من نفوذ «الإخوان» و«الحركيين» في الجامعات.

ورأى آل زلفة، الذي عمل أكاديمياً في جامعة الملك سعود قبل تعيينه في مجلس الشورى، أن الحركيين استطاعوا التغلغل في جامعتي الإمام وأم القرى بشكل ملحوظ طوال الـ35 عاماً الماضية، مضيفاً «لسنا بحاجة لكثير من هؤلاء الأكاديميين الذين يتم التعاقد معهم لأن غالبيتهم مسيسون لا يقدمون علماً ولا معرفة لأنهم مشحونون بأفكار سياسية يوصلونها لأتباعهم». وتعود محاولات الإخوان لاختراق «المحاضن التربوية» التي يرون فيها أساس مشروعهم السياسي إلى وقت مبكر من خمسينات القرن الماضي، وتشير عضو مجلس الشورى في دورته السابقة هيا المنيع إلى أن وجودهم في الجامعات لا يقل خطرا بل أكثر عمقا، معللة ذلك بـ«أنهم سيطروا على مفاصل القرار في بعض الجامعات في مراحل معينة، أيضا استغلوا نفوذهم بالتعاقد مع أساتذة غير سعوديين يحملون الفكر الإخواني، ناهيك عن محاولة اختراق اختيار المرشحين من المعيدين الجدد وفق معايير تخدم أهدافهم».

ووصل نفوذ «الإخوان» في الجامعات إلى رفض بعض الأطروحات العلمية رغم قوتها لمخالفة أفكارهم، كما وجهوا الدراسات العليا لخدمة أفكارهم وتسطيح ما يعارضونه خاصة في الأقسام الإسلامية والإنسانية ـــ بحسب شهادة الدكتورة المنيع.

ويقول أحد أعلام الجماعة المتطرفة الإرهابي يوسف القرضاوي في موقعه (الإسلام أون لاين) إن

مناع قطان كان من أوائل «الإخوان» الذين وصلوا إلى المملكة وعملوا في سلك التدريس، بعد أن أعير إلى المملكة عام 1953، واختير للتدريس بالمعاهد والكليات الشرعية بالرياض، قبل أن تُنشَأ جامعة الإمام محمد بن سعود، وتُضَم هذه الكليات إليها.

واستطاع قطان التوغل في التعليم والمجتمع السعودي -بحسب شهادة القرضاوي- لعدة أسباب أهمها مرونة شخصيته وثقة «الإخوان» به ممن يعملون في المملكة من أمثال الشيخ فتحي الخولي، والشيخ مصطفى العالم، وغيرهما ممن يعملون في مُدن المملكة المختلفة، ويضيف القرضاوي في تفسيره للقبول الذي ناله قطان وجود عالم سلفي مهم في الأوساط العلمية السعودية قادم من قرية قطان في شنشور المنوفية عبدالرزاق عفيفي رغم أن له موقفاً مضاداً للإخوان المسلمين، ما يجعل إشارة القرضاوي «ملغمة بالإسقاطات».

ويشير القرضاوي إلى أن اختراق «الإخوان» لوزارة المعارف (التعليم لاحقاً) بدأت بتشكيل لجان لتغيير «المناهج التقليدية» إلى مناهج معاصرة تراعي الأسس التربوية وتجمع بين الأصالة والتجديد.

ولا يحتاج الباحث لمعرفة حجم التأثير الذي أحدثه الإخواني قطان في مسيرته الوظيفية في التعليم العالي السعودي، إذ تولى مناصب رفيعة كمدير الدراسات العليا في جامعة الإمام، إضافة إلى عضويته في مجلس الجامعة، وكان يشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعة، وتقول إحدى الروايات إنه أشرف على 115 رسالة في ثلاث جامعات فقط.

من تأسيس الإخوان إلى جامعة الرياض

ولم يقتصر توافد «الإخوان» على التخصصات الشرعية، بل كثروا في التخصصات التطبيقية لحاجة الجامعات للأكاديميين في ظل ندرة المتخصصين في السعودية، إذ قدم إلى المملكة في بداية السبعينات عضو مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين حسين كمال الدين أحمد ليعمل رئيساً لقسم المساحة بكلية الهندسة بجامعة الرياض (الملك سعود لاحقاً) وانتقل بعدها إلى جامعة الإمام.

وتقول عنه الروايات «الإخوانية» إنه قصد العراق لتأسيس كلية الهندسة، ولنشر «الدعوة» بتكليف مباشر من حسن البنا في أربعينات القرن الماضي، ما يؤكد خطورة الرجل والمكانة التي يحظى بها في التنظيم.

وترى عضو مجلس الشورى في دورته الماضية الدكتورة المنيع في حديثها إلى «عكاظ» أن «الإخوان» عملوا على بناء محتوى كثير من المناهج دون الاقتصار على المناهج العلمية، بل يغرسون فكرهم في كثير من التخصصات الإنسانية لضمان بناء فكري موحد في وجدان الشباب.

عزام وعام في جامعة المؤسس

ويبدو أن أكثر الأسماء التي لا ينساها السعوديون الإخواني عبدالله عزام الذي يشار إليه كثيراً عند الحديث عن حقبة «الجهاد الأفغاني» الذي فرخ القاعدة والجماعات الأصولية المتشددة في العالم العربي لاحقاً، وكان عزام قد قصد جامعة الملك عبدالعزيز في الفترة بين عامي 1980 و1981 للتدريس فيها بعد أن فصل من عمله في الأردن، ولم يطل به المقام بجدة، إذ قصد إسلام أباد للتدريس في الجامعة الإسلامية الدولية حتى يكون قريباً من «المجاهدين».

وعمل عضو جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية سيد سابق أستاذاً للدراسات العليا في جامعة أم القرى. وكان قد اعتقل بتهمة فتواه بجواز قتل رئيس الوزراء المصري محمود النقراشي لحله جماعة الإخوان المسلمين، بيد أن المحكمة برأته ليعود ويعتقل عام 1949.

قطب ملهم الحركيين

كما أن محمد قطب الذي أسس مدرسة «حركية» في الجامعات السعودية، كان أحد أهم الأسماء الحركية التي احتضنتها الجامعات السعودية في وقت مضى، إذ شد الرجال في بداية السبعينات إلى جامعة الملك عبدالعزيز بمكة (أم القرى حالياً)، وعمل أستاذاً في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، ويمكن تلخيص «عقلانية» قطب المتقدمة على قادة العمل الحركي بإيمانه بعدم مواجهة السلطة إلا في حال القدرة على ذلك.

واستطاع قطب التأثير على أجيال من الطلبة السعوديين، كما أن كتبه كانت تدرس إلى وقت قريب في الجامعات كمناهج ثابتة ككتاب الثقافة الإسلامية، ويقول عضو هيئة التدريس في قسم الدراسات الإسلامية حسن سفر لـ«عكاظ» إنهم وجدوا صعوبة في تغيير المنهج، بعد أن عزم عدد من الأكاديميين الوطنيين على تأليف كتاب آخر باسم «الثقافة الإسلامية» يظهر المنهج الإسلامي المعتدل بعيداً عن التطرف والأفكار المشوشة.

ولا يخفي سفر الذي سبق أن رأس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبدالعزيز رفض «الحركيين» في بادئ الأمر لتغير المناهج المؤدلجة، بيد أن الإرادة الوطنية عند أعضاء هيئة التدريس غلبت في نهاية الأمر، كما أن عددا كبيرا من الحركيين غادروا الجامعة.

كما درس في كليتي التربية والشريعة بمكة المكرمة فتحي الخولي الذي حوكم في مصر ضمن 40 من قيادات الإخوان وحكم عليه بالسجن 10 أعوام عام 2008.

وقصد الإخواني السوري عبدالله ناصح علوان جامعة الملك عبدالعزيز بجدة بعد أن فر من حلب عام 1980 وعمل أستاذاً في قسم الدراسات الإسلامية حتى توفي عام 1987، ويعتبره عدد من الباحثين من أهم الأسماء «الإخونجية» في جدة.

ولم تمض أيام كثيرة على بدء قوات التحالف معركة استعادة الكويت من الظلم العراقي، حتى سقطت الأقنعة للحركيين، وأضحوا مفضوحين أمام الرأي العام السعودي، ويشير أكاديميون عملوا في الجامعات السعودية إلى أن مرحلة «تحرير الكويت» كانت التحول الكبير في المشهد، إذ فضل عدد منهم الابتعاد عن الشأن العام بعد أن سقطت أقنعتهم.

التوغل لم

يقتصر على الرجال!

لم يكن توغل الإخوان المسلمين أمراً خفياً، إذ تعتبره عضو مجلس الشورى في دورته السابقة الدكتورة هيا المنيع أمراً معروفاً وملموساً من الجميع، ويطرح نفسه من خلال تكريس ثقافة التشدد التي اعتلت كامل منصات التعليم.

وتوضح المنيع الأكاديمية في جامعة الأميرة نورة في حديثها إلى «عكاظ» أن توغل الإخوان أنتج طالباً يستنكر إنشاد السلام الوطني وآخر يستنكر مفردة الوطنية، لافتة إلى أن وجود «الإخوان» في المؤسسات التعليمية لم يقتصر على الرجال، بل امتد إلى النساء، و«الشواهد واضحة».

وتشير إلى أن سيطرتهم كانت تمتد إلى الأنشطة غير المنهجية «منطقة الحراك الحر والعميق، ويمكن اعتباره القوة المكملة للمنهج الخفي الذي يتم في القاعات الدراسية». مضيفة «وعليه وجدنا المنتج مجموعات شابة انتماؤها للأمة يسبق انتماءها الوطني، بل إن الوطن بالنسبة لهن ليس إلا حفنة تراب كما تقول أدبياتهم». وتقول إن أنشطة المصلى اتسعت وغيبت بقية الأنشطة إلى حد الإلغاء لأغلبها والضعف لبقيتها، «غاب المسرح المدرسي وغابت كافة الفنون، وضعفت الأنشطة الرياضية، وأصبحت الرحلات منفذا آخر للتغذية الفكرية وليس لزيادة الاطلاع والارتباط بالوطن».

ولا تغفل المنيع سيطرتهم في وقت ما على المراكز الصيفية التي خضعت لنفس الفكر، حيث التركيز على الجهاد مع تعميق ثقافة الموت، وربط ذلك بمغريات الحور والخمر الحلال مستغلين حماس الشباب مع ملاحظة أن البيئة الاجتماعية بمكونها الثقافي باتت أرضا خصبة لنمو فكرهم مع تغلغل ثقافة التشدد، وصارت ثقافة مظهر التدين محرضا لاحترام الشاب والفتاة وليس قيمته العلمية وإنتاجه الوطني. وتشدد المنيع على أن ما يميز هذا التنظيم أنه منظم من الداخل ويساند بعضه رجالا ونساء وأنشطتهم غالبا متكاملة ولا ينقصها العنصر المالي وليس لديهم شيء مؤجل ولا يخضع عملهم للصدفة أو التسويف.

الإيمان بظلال «الإخوان».. وصفة النجاح

عن تأثير الكوادر الإخوانية العربية على السلك التعليمي يسترجع الشاعر إبراهيم طالع الألمعي إجبار أساتذته في معهد أبها العلمي (أحد فروع معاهد جامعة الإمام العلمية المنتشرة في مناطق المملكة) على قراءة «معالم في الطريق» لسيد قطب، إضافة إلى قراءة كتب أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي.

ويضيف الألمعي أن قراءتهم كانت باستيعاب شديد، وتوقّدت مشاعرهم حين كانوا يقرأون شعر سجنائهم في مصرَ أمثال الشاعر هاشم الرفاعي الذي «كتبنا قصيدته (في ليلة التنفيذ) وهي مخطوطة عندي». ويؤكد طالع الذي درس في جامعة الإمام في الرياض سيطرة «الكوادر الإخوانية» من مصر وسورية على المناهج والأنشطة، مشيراً إلى وجود ما يشبه الصراع بين جامعة الإمام وأذرعها من المعاهد العلمية من جهة، ومعهد الإدارة من جهة، كون الأولى تحرم دراسة القانون وتستبدله ببرنامج «دراسات الأنظمة» تجنباً لمفردة القانون، بعكس الثانية.

ولا ينسى طالع موقف أستاذه في جامعة الإمام الدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا صاحب سلسلة «صور من حياة الصحابة والتابعين»، إذ طلب منه بحثاً للتخرج عن سيد قطب «حياته آثاره، عرض وتقويم»، مضيفاً «ووصلت في بحثي إلى أن مقتله كان سياسيا ممتدا لقتل المخالف للحاكم منذ بداية البشرية وعبر عصور الإسلام، وليس عقديا، فمنحني لطفا منه 50 درجة من 100 وكتب لي بخط يده أنه كان يتمنى لي أن أستظل بظل الإيمان (أي أنّ مقتله كان عقديا)، والمخطوطة بخطه ضمن مكتبتي الآن وقد كان ينجح منا من يستظل بظل إيمانه بمنهج الإخوان المسلمين»!.