إبراهيم عقيلي (جدة)
لم يعد الحديث مع الشباب مفهوما من أول وهلة، بل يجب عليك أن تدقق كثيرا حتى تعرف مغزى المصطلحات التي يطلقونها، فلكل جملة كلمة تختصرها، ولكل شفرة معناها الحديث، كلمات عدة لم تبدأ عند «يجي» تلك الكلمة التي تعني الموافقة، ولم تنته عند «الزبد» التي تعني أن مطلقها يريد خلاصة الكلام.

وبين الشباب الذين يرون أن تلك الكلمات هي من باب مسايرة الوقت واختصار الزمان، وبين كبار السن وأولياء الأمور الذين يرون أن تلك الكلمات والشفرات تعكس الثقافة الهشة لجيل اليوم، بين هذا وذاك يقف ملحق «عكاظ الشباب» ليوصل رسالة الجيل الجديد وما يريدون أن يقولوه للمجتمع، والذين اختصروا وجهة نظرهم بأن شفراتهم هي مواقف حياتية سواء مضحكة أم جادة، يفهمونها هم ويطلقونها لأجل الاختصار فقط، كما يرون أن شباب المجتمعات الأخرى لديهم تلك الاختصارات الجديدة، والهجوم الذي يتعرضون إليه من المجتمع غير مبرر، فلم تتجاوز تلك المصطلحات خطوط الممنوع والعيب، بل ظلت تسير تحت المسموح. وقالوا للآباء عبر صفحات الشباب إنهم كانوا يوما في مرحلة الشباب وكانت لهم طقوسهم ومصطلحاتهم، ولكن زادت عندهم كونهم تزامنوا مع ثورة التقنية التي سهلت انتشارها.

فيما برر علم الاجتماع تلك الظاهرة الجديدة واعتبرها أمرا طبيعيا، ولكن تخوف من المساس باللغة وتغيير معجم الألفاظ.

أما أولياء الأمور فقد ظلت غالبيتهم تؤكد أنها عبارات تعكس هشاشة الجيل الجديد ومحدودية عقلياتهم، رغم أن هناك بعضا من أولياء الأمور نظر إلى الظاهرة بشكل إيجابي.

علي المرواني شاب في المرحلة الجامعية، قال لـ«عكاظ» إنه كغيره من الشباب يطلق الكثير من العبارات الشبابية دون قصد فقد سمعها من أقرانه الشباب وأطقلها هو وغيره، ولا يرى أن هناك مشكلة في تلك الظاهرة، وعندما طرحنا عليه ما يردده البعض من الخوف على اللغة العربية التي قد تندثر مع انتشار تلك المصطلحات، قال: «لم تعد اللغة العربية الفصحى متداولة بين الناس، ومن يتخوف فهو مخطئ، فاللغة العامية أكثر انتشارا، ولكن يبدو أن التخوف من اندثار العامية المتداولة».

أما علي الغامدي فيقول إنه يردد بعض المصطلحات كغيره من الشباب ويتحدث ببعضها مع أفراد أسرته وغالبا ما يفهمون عليه، ولم يقابل ذلك الحديث أي نقد من أسرته وكبار العائلة، فهو في مجتمع متفهم لمرحلة الشباب والتغيرات التي تطرأ عليهم، سواء في الحديث أم الأزياء أم تسريحات الشعر، «فلكل زمن دولة ورجال»، فهذا زمن الشباب.

وقال راكان بن محفوظ: «الموضوع أبسط بكثير مما يتوقع البعض، فلا مجال لتضخيم المسألة، فنحن نلاحظ على كثير من المجتمعات المجاورة لنا تداول الكلمات والشفرات المختصرة بين شبابها، والمجتمع المصري مثال حي على ذلك، فهم أكثر المجتمعات تداولا للمختصرات، وحتى أننا تناقلنا منهم بعضها، وهي تساير طريقة العصر وإيقاعه الذي يعتمد على السرعة، فالشباب دائما ما يختارون طريقا سريعا للعيش سواء في الكلام أم اللباس، أو حتى الأكل لذلك نرى انتشارا كبيرا للمأكولات السريعة ومطاعم الوجباب السريعة، فهذا يعكس طريقة العصر».

وعند مصدر تلك المصطلحات قال إبراهيم مباركي: إن الإنترنت يروج لأغلب تلك الكلمات سواء عن طريق نجوم «يوتيوب» أم الأفلام العربية، أم نجوم الكوميديا، وحتى الشارع الرياضي أصبح مصدرا مغذيا للكلمات الشبابية، وكل يوم نرى كلمة جديدة تنتشر بين الشباب، وكل كلمة من الكلمات لها معنى معين، وبعضها قد يختصر جملا كثيرة جدا، فمثلا عندما تريد أن تختصر لشاب مشاعرك تجاه رحلة مميزة أو ليلة جميلة وشيقة فأنت قد تختصر كل ذلك كله بكلمة «حماس» التي تصف روعة التجربة في كلمة بسيطة، ولا نرى أن هناك مشكلة كبرى وقع فيها الشباب مقابل تلك الاختصارات الجميلة.

أما الآباء فيقف الكثير منهم موقف الضد تجاه المصطلحات الشبابية التي يتداولها أبناؤهم، إذ يرى كثير منهم أنها مجرد «هرطقات» شباب، لا تعكس سوى ثقافتهم التي يستقونها من الإعلام الجديد، وخاصة «يوتيوب» الذي بات الوسيلة الأولى لهم، ويستحوذ على فكرهم ومتابعتهم، ويرون أن مشاهير «يوتيوب» هم وراء هذه المصطلحات الدارجة بين الشباب، ولكن فئة من أولياء الأمور يرون أن الأمر طبيعي للغاية فهم كانوا في السابق يعيشون طريقتهم ولكن بإيقاع مختلف فرضته تلك الحقبة.

محمد سير الذي تغيظه كثيرا بعض الكلمات التي يتفوه بها أبناؤه الشباب، يرى بحرية التعبير، فهو يقول: «كنت شابا وكانت لنا شفراتنا السرية ومصطلحاتنا التي نختصر بها الجمل، وكنت أتواصل بها مع أقراني الشباب خصوصا عبر الهاتف، فهي في نظرنا في ذلك الوقت جزء من الشخصية التي فرضها عليها حب المسايرة والعصرنة التي يتلهف عليها المراهقون».

«الاختصارات» آفة اللغة

وفي الضد يقف سامي الحربي، إذ يشير إلى أن لغة الاختصارات والشفرات الشبابية هي آفة على المجتمع وعلى اللغة العربية التي ستزول يوما بسبب تقليد أعمى، ولا يزال يحارب تلك الظواهر الشبابية ويقف موقف المنتقد أمام كل شاب يتحدث بلغتهم، ويقول إنه كان شابا يوما من الأيام، ولكنه لم يكن بتلك «السطحية»، كما وصفها، ويرى أيضا أن جيل الشباب الماضي كانوا أكثر جدية وتفوقا من شباب اليوم الذي يطارد القشور و«التقليد الأعمى»، ويؤكد أن من شأن تلك المصطلحات الشبابية الغريبة والمبهمة أن تحل محل الكلمات العربية في يوم وما، «وأخشى ما أخشاه أن نصبح مثل دول المغرب العربي الذي يصعب عليك كعربي أن تترجم ما يقول».

علياء الماضي أم لأربعة شباب، تلاحظ الاختلاف بينهم وبين شباب الجيل الماضي، وتشير بالاتهام نحو «الجوال» الذي أصبح يشكل ثقافة الشباب، فهو المصدر الوحيد لكل تلك المظاهر الجديدة سواء في المصطلحات أم الزي أم تسريحات الشعر، فهي تقول: «أصبح الإعلام الجديد هو الذي يكيف الشباب، ويشكل هويتهم، ولم يعد للبيت تأثير كبير على المراهقين، فكل ما تبنيه الأسرة والمدرسة قد يهدمه ساذج في مقطع يوتيوب، يطلق النكات بألفاظ نابية، ومنها تنتشر تلك المصطلحات بين الشباب كانتشار النار في الهشيم، وكل يوم نسمع كلمات جديدة، حتى باتت منتشرة على ألسنة الأطفال».

ورغم أنها مع حرية الشباب في ما يقولون، إلا أن بعض تلك الكلمات تعكس شخصية الشاب، وتؤكد أن من واجبنا أن نأخذ بيد الشباب إلى طريق النجاح فليس العلم فقط هو المفتاح بل العلم والثقافة والأخلاق والتربية، فالشاب مسؤول عن مظهره وكلماته التي يتفوه بها أيضا.