كان الناس في المدن والمحافظات مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف إذا ما أرادوا إحياء أرض بيضاء فإنهم يقنعون بمساحة قد لا تصل إلى ما يزيد على مائة متر مربع، فيبنون عليها غرفاً بسيطة ثم يتقدمون بطلب صك إحياء للموقع ويكون الهدف من الإحياء توفير سكن متواضع للأسرة، ولذلك نجد أن معظم الأحياء القديمة لا تزيد المساحات فيها عما ذكر، وعندما تكون مساحة منزل فوق مائتي متر مربع أي عشرة في عشرين فإن أهل الحارة يقولون من باب الغبطة: أبو حسن بيته كبير ما شاء الله، بل إن أول عمارة بنيتها في حي الحفاير بأم القرى ولم تزل قائمة حتى تاريخه كانت مساحة أرضها 70 متراً مربعاً وقد شريتها من صاحبها الذي أحياها قبل ذلك بسنوات!

ولكن تلك القناعة لم تعد موجودة أو أن أصحابها انخفضت أعدادهم حتى لم يعد أحد يراهم بالعين المجردة، وحل محلهم من يقوم بإحياء عشرات الآلاف من الأمتار لتحويلها إلى مخططات أو استراحات، وتتم العملية عن طريق توفير شهود يقسمون بالله أن الإحياء قد تم قبل عام 1385هـ، وهو العام الذي منع فيه الإحياء، فتأخذ المحكمة بشهادتهم ولا تلتفت إلى اعتراض مندوب البلدية أو الأمانة الذي يقدم لها مصورات جوية تثبت عدم وجود إحياء قبل ذلك التاريخ، وأن الإحياء قد تم بعده بعدة عقود، ويصدر صك الإحياء ويتم تداول الموقع بيعاً وشراءً وكان ذلك وراء نشوء عشرات الأحياء والضواحي العشوائية.

ولو عوتب بعض هوامير الإحياء على عدم قناعتهم بإحياء ما يكفيهم لسكنهم الخاص وأن عملهم ذاك يعد تعدياً على الأراضي البيضاء التي يفترض أنها تسخر لإنشاء مرافق حكومية عليها، بل إن بعض إحياءاتهم تعرقل تنفيذ المشاريع لأنها تمر بأراضيهم المحياة وتحتاج إلى بند لنزع ملكيتها مع أنها في الأصل أراضٍ بيضاء مملوكة للدولة، عندما عوتب بعض أولئك الهوامير لربما قالوا لمعاتبيهم: إنما اتبعنا سادتنا وكبراءنا.. فهناك منح أراضٍ بمساحات واسعة وهناك شراء لمواقع بملايين الأمتار بموجب وثائق قديمة يتم عن طريقها إصدار صكوك تملك تحول تلك المواقع إلى مخططات تجارية تباع فيما بعد بمئات الآلاف قيمة لقطعة الأرض السكنية الواحدة ويكون المشتري قد جمع مبلغ الشراء ريالاً على ريال لمدة 20 عاماً، وبدل أن يمنح قطعة أرض سكنية بلا مقابل يُمنح غيره مئات الآلاف من الأمتار المربعة ليحولها إلى مخطط تجاري يباع على المساكين بمئات الملايين، فلما رأينا ما رأينا لم نعد نقنع بإحياء مساحات محدودة تكفي لبناء سكن صغير كما كان يفعل آباؤنا من قبل بل وجدنا أنفسنا نخوض مع الخائضين ونسابق غيرنا في إحياء ما نستطيع من مواقع قبل أن تمنح لهم، وقد وجدنا تسهيلات من الشهود وغيرهم وكان جوابنا على السؤال المعتاد عما إذا كان السيل يشق الموقع بأنه يشقه بالنصف!؟