استطاع السعوديون خلال العقود الماضية، أن يحققوا تقدما تنمويا كبيرا في شتى المجالات الثقافية، الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن استشعار الملك سلمان حال توليه زمام الحكم لمسؤوليته التاريخية تجاه ضمان استمرارية الدولة السعودية واستدامتها السياسية، دفعته لأن يؤسس لمرحلة جديدة ومهمة في مسيرة بيت الحكم السعودي من خلال بث روح الشباب المتوهج بالطاقة والحماس والحكمة، لتولي زمام القيادة في الحاضر والمستقبل مستشرفا مستقبل الحكم، بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الحاضرة والمستقبلية، يدفعه في ذلك همُّ الدولة السعودية واستدامتها، ذلك الهمُّ الملازم لسلمان بن عبدالعزيز أميرا وملكا.

وبدد الملك سلمان تلك الشكوك والأراجيف حول استقرار بيت الحكم السعودي، عندما مكن قيادة شابة من التحمل المبكر لمسؤولية الحكم وإدارته، لثقته التامة بأن تلك القيادة المتوهجة بالطموح اللامحدود لن تكون خارجة عن السياقين الديني والمجتمعي المعتبرين، بل هي مستشرفة مستقبل دولتها في ضوء قيم وعادات مستمدة من عقيدتها الإسلامية كإطار مرجعي، إضافة إلى احترامها العميق والكامل لأعرافها الاجتماعية المعتبرة والقيم المنبثقة عن البيئة المتماشية مع طبيعتها.

مدركة أن استشراف المستقبل، يجب ألا يكون أسيرا أو سائرا في أنساق معرفية وافدة، ولا يكون خاضعا لمناهج دخيلة لا تتسق مع المجتمع ولا تواكب خصوصيته المعرفية والسلوكية.

وتقبلت القيادة الشابة تلك المسؤولية الكبرى وتحدياتها وهي على يقين بأن تحديات بناء الدولة ونهوضها، وتحديات التعامل مع العالم المحيط والمختلف لن تنقطع، بل ستبقى مستمرة في فكرتها، متشابهة في طبيعتها، وإن اختلفت مضامينها، وتعددت صورها، وتنوعت ظروفها. فقد علّمها التاريخ أن الأحداث تتكرر، ولكن بأشكال مختلفة.

وتظل التنمية هي القضية الأولى لتلك القيادة، كما هي قضية كل المجتمعات النامية، إلا أن إدراكها الكامل بأن اختزال التنمية في الجانب الاقتصادي فقط، وإعطاء هذا الجانب الحظ الأكبر من الاهتمام والتركيز، يزيد من صعوبة تعزيزها، وينتج الكثير من الآثار السلبية.

لذا كان لهذه القيادة السياسية الشابة دور مهم في خلق البيئات المناسبة للتنمية المتكاملة وضمان استمراريتها، ومن أهم البيئات التي ركزت عليها حال توليها المسؤولية بيئتان إحداهما: البيئة الإدارية وتطبيقاتها، والإبداع في سياساتها التنموية بالربط بين الوظائف الحكومية التخطيطية والرؤية الإستراتيجية للتنمية من خلال رؤية 2030، تلك الرؤية التي تركزعلى تحفيز الاقتصاد وإعطاء القطاع الخاص دورا أكبر لتنويع مصادر الدخل، وتشجيع القطاع الحكومي لتبني أدبيات القطاع الخاص في العمل لرفع كفاءة الإنتاج لديه.

ثانيهما إدراكها لأهمية البيئة الاجتماعية؛ فالعوامل الاجتماعية، والثقافة السائدة، تتدخل كثيرا في سلوك الأجهزة الإدارية الحكومية، بل إن تأثيرها يتجذر في الفرد المسؤول، ما يجعل تعديل تلك السلوكيات أمرا في غاية الأهمية، لينعكس ذلك إيجابا على مستوى العمل الإداري، الذي يؤثر تأثيرا كبيرا في أداء الاقتصاد، وتحقيق التنمية، سواء في وقت الإنجاز، أو دقته أو الاحتراف فيه، واحترامه... إلخ. ومن يتأمل السعودية خلال العقود الماضية، يجدها حققت تقدما اقتصاديا، لا يمكن أن ينكره أحد، لكن القيادة السعودية الشابة اليوم أثبتت أنه من الصعب أن نحدد ما إذا كان بإمكان هذا النمو أن يستمر ويزداد في ظل الاعتماد الكلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل ودور متواضع للقطاع الخاص في تنويع مصادر الدخل، وضعف التنمية الاجتماعية، وسلوك إداري معيق.

وبحكمة القادة العظام وخبرته الطويلة في الحكم وإدارته ومن التاريخ ودراسته ومما لدى الآخرين، عمل الملك سلمان، ولا يزال يعمل، على تعزيز طموح تلك القيادة السياسية الشابة نحو المستقبل، وضمان سلامة خطواتها المتتابعة والعمل على إنضاج تجربتها وتكييفها وفق متطلبات الدولة ومصالحها الدينية والدنيوية. ومن أجلى صور إنضاج التجربة وتكييفها مع متطلبات المرحلة الحاضرة والمستقبلية وتأكيدا للهم الملازم للملك سلمان كان الاختيار المبكر للأمير الشاب والمتمكن محمد بن سلمان وليا لولي العهد ثم وليا للعهد، بمثابة الضامن بعد توفيق الله سبحانه وتعالى لاستدامة الدولة سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، فالمقومات القيادية والمعرفية في القيادة السعودية الشابة ممثلة في محمد بن سلمان ومن ورائه أجيال من الشباب السعودي، قادرة بإذن الله على تعزيز استقرار الدولة واستمراريتها، وأن تسير بخطى واثقة نحو المستقبل ليبقى هم الدولة السعودية واستدامتها هما ملازما للأمير محمد، كما هو هم ملازم للملك سلمان.