«قلوا إيه اللي جبرك على المر قال اللي أمر منه»، والخيار كما نعرف حلو المذاق بارد على المعدة ومن ثم القلب، ولكن الخيار الذي نتكلم عنه هو خيار آخر الذي أصبح خيارا إجباريا على الذين يهربون من بلادهم في ليل أظلم يهيمون على وجوههم لا يعلمون ما هي الجهة التي سيصلون إليها، هذا إذا وصلوا، أو ما هو المصير الذي ينتظرهم. حالة بائسة تحتاج إلى درس كيف يقوم إنسان برحلة إلى المجهول واحتمالات الغرق تفوق احتمالات النجاة، والأدهى والأمر أنه يأخذ معه فلذات كبده، إنه بعبارة أو بأخرى ودع الحياة التي لم تعد تعني له شيئا، وأي حيّاة هذه هي خيار إجباري بالمكوث تحت زخات الرصاص وبراميل المتفجرات والتحلية عليهم بالكيماوي في أواخر كل حفلة قتل. والخيار الآخر هو اللجوء إلى دول الجوار وشحذ لقمة العيش والعلاج والخ. والخيار الأخير هو رحلة يا صابت يا خابت «ماهو» أصلا الثنين عور فيركبون قارب الهلاك الذي لا منه فكاك، أملا بدول الغرب التي هي من ترك الحبل على الغارب والشارق وكل الجهات الأربع للأسد وأعوانه..

أما هوامير التجارة في البشر فلا يهمهم إلا جمع القروش، ولا يعنيهم إذا التهمت القروش النفوس فهي أصلا رخيصة، كل تلك الأنفس بقضها وقضيضها رجال ونساء أطفال رضع وغيرهم من الصبايا والشباب لا تساوي إلا حفنة من الدولارات، ثم أصلا الأطفال الرضع «داريين عن حاجة» وإذا غرقوا فيها إيه يأخذونها من قصيرها يعني من زين المستقبل. أهو الحاضر موجز في قارب فيه ما فيه من الزحمة وقلة الرحمة، ذلك القويرب تتقاذفه الأمواج وأطماع المستغلين الذين لا يخافون الله وترمي بهم إلى المجهول، يركب هؤلاء الفداوية والمصيبة من خلفهم والبحر من تحتهم وفوقهم بأمواجه العاتية والمجهول التعيس من أمامهم، لماذا يفعل هؤلاء الناس ذلك ولا يتعظون من أخبار الغرقى والموت الذي يتربص بهم طبعا هم ليسوا من باب فش الخلق بنزهة بحرية، بل ما حدهم على المر إلا الذي أمر منه وأدهى.

إنها حصاد الحروب وطغيان بعض الأنظمة التي تساوى عندها هلاك شعبها عن بكرة أبيه وأمه وأخيه في سبيل التربع على كرسي الحكم، ومثلهم في ذلك ما قالته الفرنسية عشيقة لوييس الرابع عشر دي بومبادور أنا ومن ورائي الطوفان، ناهيك عن المجتمع الدولي الذي وجد جنازة و«شبع فيها لطم» في الظاهر وأفراح وليالي أفراح من الباطن، قد يقول قائل المجتمع الدولي ما قصر، وأجيبه بل قصر وحلق وتحالف مع الشيطان، لقد كان في مقدورهم اتخاذ موقف من إبليس بإنذار من الكبار ويقولون وبالفم المليان وبكلمة من ثلاثة حروف «ولي» ولا يكتفون بالتعوذ منه.

الله على زمن يضحكون به على البؤساء ويعلم هؤلاء البؤساء ذلك علم اليقين. ولكن لا زالوا يتسولون منهم كلمة نندد ونشجب، وعقد أخيرا مؤتمر لمواجهة الهجرة غير الشرعية في فرنسا، واحلقوا شنبي إذا كان همهم الضحايا، هذا المؤتمر الذي يعقد في دار مدام «بومبا» هو ترجمة حرفية لمقولتها تلك. هلك المستضعفون وأقام بشار ومن على شاكلته الولائم على أشلائهم.