تشترط الإدارات الحكومية التي تعلن عن وجود وظائف إدارية شاغرة بها ألا يقل تقدير الشاب الجامعي المتقدم للتسابق على الوظيفة عن درجة ممتاز، وإذا تواضعت تلك الإدارات قبلت على مضض بتقدير جيد جداً، أما تقدير جيد أو مقبول فلا يلتفت إليه، ولا ينال فرصة التسابق أصلاً!

ومثل هذه الشروط المستحدثة المبتدعة التي تشارك وزارة الخدمة المدنية نفسها في إقرارها تحت ذريعة «المفاضلة»، تعني أن كل من يتخرج من الجامعات بتقدير جيد أو مقبول لن يعطى أي فرصة لدخول مسابقة على وظيفة شاغرة في المجال الذي تخصص فيه ناهيك عن أي مجال آخر مخصص لخريجي الجامعات!

ومن خلال خبرة إدارية امتدت على صدر أربعة عقود وعندما كانت الوظائف والتسابق عليها متاحاً لجميع الخريجين الجامعيين بغض النظر عن «تقديرهم»، لم أجد أي رابط يؤكد أن الممتاز في دراسته يمكن أن يكون كذلك في حياته العملية، فقد يكون وقد لا يكون، كما أن بعض من عملوا معي أو عملت معهم من الذين تخرجوا من الجامعة بتقدير مقبول أو جيد نجحوا في حياتهم العملية وتفوقوا على من كانت معدلاتهم الدراسية تفوق معدلاتهم، ولذلك وجد الفريقان فرصة لإثبات وجوده خلال حياته العملية، فكيف يأتي بعد ذلك من يوصد أبواب الرزق والعمل والوظائف أمام المتخرجين من الجامعات بمعدل أقل من ممتاز أو جيد جداً، وما هو مصير عشرات الآلاف من الأبناء الذين تكون معدلاتهم أقل من ذلك هل يقال لهم: بلّوا شهاداتكم وأشربوا ماءها والاستراحات أبرد لكم والبطالة مصيركم، أم نقول لهم انسوا الشهادة الجامعية واعملوا بالشهادة الثانوية في وظائف مستخدم وحارس أمن وجندي هذا إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا؟!

لقد كان بإمكان وزارة الخدمة المدنية وبقية الوزارات التي تعلن عن مسابقات لوظائف شاغرة أن تميز صاحب تقدير ممتاز بخمس درجات من مئة مقابل امتيازه، وثلاث درجات لمن معدله جيد جداً، ثم تُتاح المسابقة لجميع الخريجين فيفوز بالوظيفة من يجتاز المسابقة والمقابلة الشخصية العادلة!

ولو كان طلب التقدير المرتفع من أجل دراسة تخصصات معينة أو الابتعاث للخارج لفهم الطلب وقُدِّر، أما أن توصد أبواب المسابقة على الوظائف أمام أصحاب المعدلات التي لا يحصل أصحابها على تقدير ممتاز أو جيد جداً على الأقل فهذه بدعة إدارية قاتلة فيها وأد لخريجي الجامعات وإغلاق لأبواب الأمل في وجوههم وإدخالهم إلى دياجير اليأس والإحباط فماذا ينتظر المجتمع منهم بعد ذلك؟!