في بداية الخلاف الخليجي تمنى بعضنا أن يبقى الأمر محصورا داخل الأروقة السياسية وألا يفتح منه مجال للجدل العام، ولكن أحد أهم الجوانب فيه هو الشأن المتعلق بالأمن الفكري والمتمثل في الحرب ضد الإرهاب، فظهر البعد الرابط بين الحياة الاجتماعية والسياسية والحاجة إلى انسجام مصالحهما لتحقيق أحدهما أهداف الآخر، كطور جديد لم يظهر إعلاميا من قبل، حيث إن التحولات بدت خطيرة وكان من الصعب تجاوزها.

ظهر الإعلام كمدير للخلاف بطريقة تحاكي الوعي الاجتماعي والذي انعكس على المستوى الثقافي، غير أن السيكولوجيا الاجتماعية جاهزة لتبني مثل هذا الجدل، خاصة على وسائل الاتصال، ما يعني أن الظاهرة الإعلامية تحولت إلى ظاهرة ثقافية استوعبت الغث والسمين، ولا مجال في هذه الحالة للحديث عن الموضوعية.

الإعلام بطبيعته لا يرسم السياسات فهو أداة موجهة للتأثير في الرأي العام، فلا يمكن التركيز على نقد قناة الجزيرة مثلا وغض النظر عن كونها أداة بيد النظام القطري يوجهها كيفما شاء، ما قد يفقد الحملة الإعلامية إيجابياتها بالبعد عن جوهر اختلاف الرؤى السياسية وانحسار الجدل في حالة تعصبية مقتضاها «أنتم ونحن»، فيما تظل هذه الحالة هي المحرك الانفعالي للنقاش في أي موضوع يتعلق بالخلاف بناء على الاعتداد بالنفس.

الظاهرة الإعلامية للخلاف مع قطر تبرز كمحاولة لإعادة هيكلة الاصطفافات والحرب ضد الجماعات الإسلامية الراديكالية، وبما أن الأمر محكوم اجتماعيا بالعامل العصبي فسيكون من السهل توجيهه، ومن المتوقع أن تحقق الحملة أهدافها المرجوة على المستوى الاجتماعي والتي تعبر عن الاتجاه السياسي للمملكة الذي نرجو أن يساهم في خلق أيديولوجيا ثقافية مختلفة تنبذ الأفكار المتطرفة والخصومات المستحكمة على التيارات الفكرية، فالحرب على الإخوان قد تساهم في إسقاط التصورات الخاطئة والمتعلقة بأصول تطبيق الشريعة الإسلامية والتي جرفت بعض الشباب العربي إلى التكفير والعنف والعمل السري المسلح، حيث إن تسييس الدين ارتد بعواقب وخيمة لا يمكن تجاوزها بغير التنمية والإصلاح الشامل، يتوقف ذلك أيضا على العمل بحسم الصراعات الفكرية لصالح المواطنة وبناء الدولة الوطنية.